إيران متقدة وتزداد شباباً، تحتوي الأزمة وتستعد للرد 2/ 3

ميخائيل عوض
طهران الباسمة التي استقبلتنا بفرح وكرم، وازدانت بصور وأقوال القائد الشهيد البطل العالمي قاسم سليماني، لم تفاجئها الهجمة الشرسة والحرب المركبة التي تستهدفها في بنيتها بشدة، وتركيز وحملات تضليل وفبركة في حرب إعلامية ضروس وبأكلاف فلكية، وتشارك فيها عشرات الدول والأجهزة وآلاف الوسائط ودور الخبرة والدراسة والتخطيط… بوهم القدرة على العبث بالاستقرار وسوق إيران إلى السيناريو السوري، أو إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية بعد إن عجزت الخطط والاستراتيجيات والتكتيكات والجهود في كل الحروب، وعلى مدى 44 عاما في التأثير على صمودها وصبرها التي حولتهما إيران إلى عنصر مناعة وقوة، وقبلت التحدي وخاضت الحروب كافة وبكل الفروع والمستويات والأدوات والجيوش والمسارح، وانتصرت فيها وتحولت إلى قوة اقليمية وازنه كدولة فضائية ونووية ومنتجة لسلاحها الاكثر تقدما وتقنية، وقد أثبت فعاليته في الاشتباك مع أميركا نفسها ومباشرة ومع وسائطها وحلفائها وأدواتها وقواعدها وخبرائها في لبنان وسورية وفلسطين واليمن، وحقق السلاح الإيراني تفوقا كاسحا، وخاصة سلاحي الصواريخ والمسيرات التي تقدمت إيران بصناعتها كدولة بين الأوائل في هذا الميدان.
والأهم أن إيران عبرت سن الأربعين وباتت في منتصف العقد الخامس ولم تظهر عليها أي من علامات الشيخوخة او التقدم بالعمر.
عمر الأربعين في علوم البيولوجيا هو ذروة الاكتمال وبعده يبدأ العد العكسي، وفي علم الاجتماع وقواعد التاريخ وتجاربه، هو عمر النبوة والنضج واكتمال النمو الادراكي والعقلي والجسدي، وهو عند ابن خلدون والأنثروبولوجيين عمر نصف الولاية فالإمبراطوريات والدول تعيش حتى الثمانين وبعضها النادر حتى ال120، وهذا ما تقطع به التجربة، ومن يبلغ الثمانين ويكمل لا بد أنه في الأربعين قد جدد شبابه، وفي ريعانه وصباه قد أعد نفسه جيدآ بممارسة شتى أنواع الرياضة والأهم الفكرية واهتم بتغذيته وبوظائف الجسم ومن لم يفعلها أصلا، لم ولن يصل للأربعين وعلى الأغلب لم يكمل العشرين” الناصرية”.
وكما هي حقائق الحياة ودروسها التي جزمت بأن الوعي والمعرفة والتصميم والارادة والسعي الدؤوب لتحقيق الأهداف عناصر تجوهر الأعمار والاجساد والأذهان، وتصقلها فتؤخر ظواهر وأدلة الترهل والشيخوخة، وأحيانا تمنعها من الظهور، كذلك كانت تجربة ايران الثورة الاسلامية التي لم تهدأ قط واعدت نفسها وأدواتها منذ اللحظة الأولى على قياسات تحقيق الغايات البعيدة والاستراتيجية. وهي لم تترك لشأنها، بل عرضت باستمرار وعلى الدوام للتحديات والحروب والعدوان والعقوبات والحصار ومحاولات التخريب والتفكيك، وجرت رهانات كثيرة على الاستثمار في بنيتها وتشققاتها وتباينات كتلها وتشكيلاتها، ولأنها أعدت نفسها بمعرفة ووعي مسبق وتخطيط محكم انتصرت بجهدها ووعيها ومعرفتها وبتضحيات جسام، وعملت بتواصل لإتمام مشروعها ولتحقيق غاياتها ولم تنكسر ولم تستسلم ولا راوحت في المكان ولا تأخرت عن توفير عناصر وشروط الانتصار وخوض التحدي والبناء. وهذا أحد أسرار بقائها شابة يتقدم بنا العمر، وهي في كل سنة تزهر وتتألق وتصير اكثر شبابا.
وإيران الثورة التي اشتقت شعاراتها الخاصة وغالبت التوازنات الدولية، وتمردت عليها لتتفرد ولتمتلك سيادتها واستقلالها وتفرض خاصياتها ونموذجها المتمرد على النموذجين الحاكمين حينها رفعت شعارها: لا شرقية ولا غربية، بمعنى أنها عارفة وعازمة على اشتقاق نموذج مختلف كمبدعة وفاعلة غير مقلدة ولا مفعول بها، وهذه ثاني الخاصيات.

والثورة التي اشتقت شعاراتها من القران الكريم ومن خط ونهج وسيرة الإمام علي وأبي ذر الغفاري والحسين وكربلاء، أدركت وصممت أن تختص أيضآ بنموذج اقتصادي خاص، لا هو رأسمالي ليبرالي متوحش ولا هو اشتراكية الاتحاد السوفيتي ذات الطبيعة الاستثنائية وبالخاصيات الروسية، فرفعت الآية الكريمة؛ ﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ.. شعارها الاجتماعي وناظم هيكليتها واستهدافات بناها الاقتصادية والاجتماعية  وتحفظ  القران الكريم وآياته عن ضهر قلب وتعرف أنها متصلة بأية القتال في سبيل الله والمستضعفين؛” وَمَا لَكُمْ لَا تُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا ” وعليه اقامت الثورة نموذجها الاقتصادي – الاجتماعي بخاصيات واليات” اسلامية- علوية- حسينية” لا على نموذج شيوعي ولا على قياس نموذج رأسمالي- ساكسوني بل اسلامي على مذهب علي والحسين وابي ذر وهم من آل البيت وممن ناصروا الفقراء والمحتاجين وجدوا واجتهدوا  لتأمينهم وخدمتهم، وللحؤول من دون وقوع الاسلام في موقع عقيدة الظالمين والمستكبرين الذين يكنزون الذهب والفضة… “والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم، يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون”…”تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ*…

فقام الاقتصاد الإيراني على حوامل متعددة، فالقطاع العام” دور الدولة” يمثل 60 % من الناتج القومي ومن القيم والحركة الاقتصادية، يقوده جهاز الولاية ومؤسسة ولي الفقيه والحرس الثوري، بينما تولى القطاع الخاص 40 % من الدورة والعملية الاقتصادية، ونمى دوره برعاية من الحكومة ورئاسة الجمهورية، وتلعب الحوزات الدينية والمراقد بقدراتها المالية الهائلة دورا في تأمين الفقراء والمستضعفين… وبذلك وعن وعي ومعرفة ودقة تصميم تمت هندسة النظام السياسي ثنائي وكانه دولتين في دولة، وهذه أيضاً خاصية استثنائية ومنتج إيراني.

والثنائية في الهيكلية الاقتصادية والنظام السياسي نظمت العلاقة بينها بتقانة ومنهجية وتمت حمايتها ومأسستها في الدستور وقواعده ومواده، وتعدد مؤسساته، وتنوعها بحيث اصبح الدستور والمؤسسات وعاء يتسع لكل الطبقات والفئات والفاعليات ويستطيع امتصاص التحولات والتناقضات الناشئة على الدوام في المجتمعات الحية والحيوية، ووفر بيئة تعايش وتفاعل بينها واحتواء كل جديد فكانت ثنائية الاصلاحين والمتشددين التي اتقنت الولاية وولي الفقيه والمؤسسات الدستورية الإفادة منها وتوظيفها في احتواء التناقضات والصراعات وتحويل التعددية والتنوع إلى عناصر بناءة  إيجابية لا سلبية” نعمة لا نقمة”، وفي الإفادة من جديدها وتأمين التفاعلات الخلاقة بين جميع المكونات، وأيضًا تطمين الآخرين وارباك الخارج والذين يستهدفونها وتركهم في حيرة يراهنون على التوازنات الداخلية وتوتراتها وتحولاتها، بينما مفاتيح الحل والربط وإطفاء الحرائق وتبريد التوترات ومنع الاشتباك ممسوكة بقوة، والأهم بحكمة واقتدار ووعي، وقد صيغت هذه المواصفات وصقلت القدرات في سنوات النضال والحكم وتفاعلت مع مؤسسات الدستور وضوابطها ومع المجتمع وقيمه ووعيه الجمعي الذكي، وذو الخاصية النوعية المتجددة دوما والمتجسدة في العزة الوطنية والقومية، وتميز الأمة الإيرانية كأمة عريقة متفتحة واعية متقدمة بالعلوم والانجازات، فبصمات الفرس مطبوعة على جبهة تاريخ البشرية وحاضرها ليس فقط ما قبل وما بعد الإسلام، ومع العرب وأمم الاقليم وإمبراطورياتها الكبرى التي حكمت بتنوير وبالتفاعل والعلم والاقناع، على عكس امبراطوريات الغرب الانكلو- ساكسونية العدوانية والهمجية والشواهد كثيرة، فما زال قبر هارون الرشيد يربض في مقام الإمام الرضى في مدينة مشهد المقدسة كأعظم مقام والأغنى والأكثر عراقة والأجمل هندسة وتزيين والعظمة، كأنها رسالة التذكير بالإمبراطورية العباسية “الرشيدية”.

وقد أرست الخمينية قيما واشتقت نموذجا اسلاميا علويا حسينيا أثنى عشري خاص، وسارت بالمرجعية والحوزة من صامته إلى ناطقة ومن  الشيعية كطائفة ومذهب انتظاري يترقب المهدي المنتظر بسلبية وانغلاق وحزن، إلى ايجابية بابتداع مذهب ولاية الفقيه ونجحت في تكريسها حالة معاشة، وتعاملت بمرونة قصوى مع المذاهب الشيعية الأخرى وحوزاتها، واكتسبت المؤسسة الدينية الإيرانية الولائية وعيا وخبرة وبراغماتية، وفرت لها فرص وشروط المرونة والتشدد في إدارة التجربة الإيرانية وفي  التفاوض وفي إدارة لعلاقات مع الأصدقاء والحلفاء والأعداء والوسطيين والانتهازيين، وهذه أيضآ خاصية وإبداع واستثناء إيراني.

وبذلك اختلفت جوهريا عن الإسلام السياسي السني بفروعه الثلاثة: الوهابية والإخوانية والسلفية، وجاوزتهم، وحققت ثباتا وانتصارات وقادت دولة قوية راسخة، وتتحول لتكون ركنية في المستقبل في الاقليم والعالم” عكس تجربة الاردوغانية في تركيا والنهضة في تونس والإخوانية في السودان ومصر والوهابية في السعودية والسلفية في جهاديتها التدميرية والاشتباكية بين فصائلها وتشكيلاتها ومرجعياتها، والعميلة للغرب الاطلسي “الأنكو- ساكسوني” ونموذجه الاقتصادي والاجتماعي،  بينما الإسلام السياسي السني يندثر ويتراجع بسرعة، يبدو الإسلام السياسي الشيعي يتجدد ويجدد نفسه ويتفاعل مع العصر وحقائقه ونتاجاته.

تعززت الثنائيات في البنى والنظم الاجتماعية الاقتصادية السياسية والدولية، وترجمت أيضآ بثنائية الجيش كمؤسسة دولتية، والحرس والتعبئة” الباسداران” كمؤسسة ولائية لتأمين الولاية وحماية الجمهورية الإسلامية.
هكذا صيغت الجمهورية الإسلامية الايرانية، وتقررت إدارتها وإنتاجها وإعادة إنتاجها نموذجا بخاصيات فريدة لا تقليد ولا تابع للشرق او للغرب، أو لأي جهة أو تجربة او نموذج. فهي أصلية وأصيلة ولها خواصها وعناصرها وعواملها وطبائعها المميزة، فقدمت نفسها متجددة الشباب لا تشيخ ولا تهرم.
هذه من الأحاجي والألغاز التي عجز الغرب والأطلسي بكل قدراته وتحالفاته وأمواله عن فك طلاسم شيفرتها، ولم يفهم ولن يفهم إيران وخسر وسيخسر الحروب معها. والقاعدة، أنك إن لم تعرف الداء وأصله فلن تصرف الدواء المناسب وكل دواء غير مناسب ضار وخسارة.
وأهم الألغاز التي لم وقد لا تفهم الظاهرة الخمينية ونظرية الحكومة الإسلامية وولاية الفقيه، بما هي اجتهادية نقلت الشيعية من السكون والصمت والسلبية والغيبية- “الغيبة” إلى الناطقة والحركية والحيوية، والتفاعل مع الواقع والسعي لتغييره بالعمل والتفاعل مع عناصر ونحولات الواقع لتوفير ظروف وشروط تسريع ظهور المهدي المنتظر..
….يتبع
غدآ، إيران تحتوي الأزمة، وتتصلب في وجه الاستفزاز في بنيتها وتتأهب لرد الصاع بأقوى من الصفعة…

 

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى