القمة العربية… من عاد إلى من؟

ميخائيل عوض

حضرت سورية القمة العربية بعد أن جمدت عضويتها، ولزمن قصير احتلت المعارضة مقعدها حتى أسقط الإخوان المسلمين في مصر ورفضت مصر السيسي أن يشغل المقعد أحدا إلا الدولة السورية.

من عاد إلى من؟ عاد العرب إلى سورية أم سورية إلى الحضن العربي؟

جواب حسمه الرئيس الأسد ببضعة كلمات في القمة، فعرف الحضن والحاضن وصاحب القضية، فسورية قلب العروبة والعروبة في قلبها.

في واقع الحال، سورية وحدها أمسكت بجمر العروبة ودفعت الأثمان الباهظة ولم تصالح ولا طبعت ولا تخلت عن حرف واحد من عروبتها، بل أكدتها وعرفتها عندما اختارت جانب إيران في حرب صدام الممولة من عرب وأجانب، فمنعت أن تتخذ الحرب صفة عربية فارسية، أو سنية شيعية، وحالت دون تحول العروبة إلى حذاء مطاطي بأقدام الأطلسي ليخوض بها في الأوحال ومكبات النفايات.

تشكلت دولة قائدة قاعدة لخيار المقاومة ثم لمحورها، وقبلت التحدي وخاضت الحروب وحاربت في بنيتها وجغرافيتها وتنتصر في الحرب العالمية العظمى التي استهدفتها، ولم تغير ولا تغيرت، وصبرت على تآمر العرب والعجم. وبرغم أنهم أعلنوا الحرب عليها ومولوها هي لم تعلن الحرب على أحد، ولم تقطع شعرتها المعاوية، ورفضت أن يملى عليها موقف أو قرار ولم تزل عند طبائعها والتزاماتها سيدة خياراتها برغم ما تعيشه من إفقار وجوع وافتقاد لأبسط حاجات الحياة، من الطاقة والغذاء والصحة.

وهي على هذه الحال من الثبات على طبائعها والتزاماتها دعيت للقمة وذهبت وأكدت على ما هي عليه.

إذن
هي لم تذهب عند أحد، ولا استجابت للشروط أو الإملاءات، وقبل أن تذهب هي فرضت شروطها، وعندما تحققت ذهبت.
طالبوها وحاربوها ودمروها تحت شرط أن تفك علاقتها بإيران وفلسطين وفصائل المقاومة وعلى رأسهم حزب الله، وبعد 11 عاماً وقبل أن تذهب إلى القمة ذهبوا هم عند إيران وصالحوها ويتفاوضون مع حزب الله وحماس والحوثيين ذاتهم الذين كانوا ذريعة حروبهم على سورية.

مرة أخرى، الوقائع المعاشة والأحداث الجارية تجيب بحزم وتقول بصراحة، هم من أتوا إليها وإلى مشروعها وتحالفاتها، بما في ذلك تعزيز علاقتهم بالروسي حليفها المقاتل معها والصين التي كانت سورية هي أول من دعى العرب لتغيير أشرعتهم والاتجاه شرقاً حيث تبزغ الشمس، وبحسب المقولات التاريخية: دمشق هي أول وآخر الشرق.

ومصر التي ما زالت تتمهل في العودة إلى الحضن وتردد، يبدو أنها ستذهب إلى طهران لتأكيد صحة الخيارات السورية وللعبور إلى دمشق، وهذه أيضاً شهادة نوعية لسورية وبعض وقائع الجواب من ذهب إلى من؟

عن القمة وحضور سوريا ومستقبل العرب والاقليم
قيل وسيقال الكثير، فهي حدث نوعي وتحول لم يسبق أن حصل مثله منذ قرن ونيف، فقد ورث العرب نظم وجغرافية مصنعة محتربة، لاذ بعضها بالغرب وبإسرائيل لحماية أنفسهم وبددوا الثروات والإمكانات والقدرات في احترابهم، وفي تمويل الحروب والصناعات العسكرية الاطلسية، ولصالح أعدائهم ثم وبعد ان استنفذوا الكثير وجربوا الرهانات، وايقنوا ان لا مصلحة لهم باستمرار ما كان. قرروا الخطوة الأولى في طريق الألف ميل لإعادة نظم أمورهم وتسوية خلافاتهم والتصالح والشروع في استثمار ثرواتهم في وجغرافيتهم ولشعوبهم، وتحولهم هذا يأتي بعد أن جربوا الحروب والولاء للخارج- فلا صحبة إلا بعد مشكلة.

ومصالحتهم مع إيران حدث ايضاً لم يحصل منذ نصف قرن وهي خطوة نوعية مغيرة في أحوال الاقليم، والاقليم يغر أحوال العالم والعالم في حقبة التغيرات النوعية الجارية لإيجاد نظام عالمي جديد على وقع ولادة عالم جديد ودخول الحضارة الإنسانية عصرها الثالث.

الصحيح، أن القمة والمصالحات لم تترجم بعد بانفراجات اقتصادية واجتماعية وما زال السوريون يفتقدون الكهرباء والمحروقات وأبسط الحاجات ويعانون الأمرين، ولم تنعكس المصالحات والقمة بقرارات عملية جريئة تكسر الحصار وتسقط العقوبات، ولا أدت إلى موقف عربي حازم يتضامن مع سورية لطرد الأميركي والتركي وتصفية الإرهاب واستعادتها لسيادتها وثرواتها، إلا أن الخطوة الأولى قد بدأت والبقية آتية لا ريب بحكم الحاجات والوقائع والصيرورات والوعد أن يعود العرب إلى الجغرافية والتاريخ ويتشكلون قوة محورية في سياق الجاري من إعادة تشكل العالم والاقليم.

كيفما قرأت التطورات والأحداث الجارية تندرج في أنها لحظات تحول تاريخي وعكس للمسارات، ونقطة بداية لم تستنفذ بعد احتمالات الانقلاب عليها، وأن كانت فرص تراسخها وكل يوم تتعزز.
للبحث صلة.

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى