“إسرائيل” واميركا بين الأسطورة والواقع الإستراتيجي

كتب أحمد سمير
العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل لا تقوم على التحالف، بل على التبعية المقلوبة، فالسياسة الخارجية الأميركية أصبحت رهينة لأجندة إسرائيلية توسعية، مدعومة من منظومة ضغط لا تعرف الحدود، لكن إسرائيل أيضًا ليست ببعيدة عن النقد، فهي تُوظف هذا النفوذ لخدمة سردياتها الخاصة، ما أدى إلى تشويه صورتها حول العالم وتعميق عزلتها.
دعونا نضع الأمور في نصابها بوضوح قاسٍ: الإدعاء بأن «إسرائيل تحكم أميركا» ليس نظرية مؤامرة يهودية خيالية، ولا هو «تحالف استراتيجي مقدس» كما يردده السياسيون الأميركيون في خطاباتهم الانتخابية، إنه واقع فاسد.
إسرائيل: الطفيلي الذكي الذي يعض اليد التي تطعمه
دولة صغيرة بحجم نيوجيرسي، عدد سكانها أقل من مدينة القاهرة، نجحت في تحويل أكبر قوة عسكرية واقتصادية في التاريخ إلى مصرفها الخاص ودرعها الدبلوماسي. كل عام يحصل الجيش الإسرائيلي على ما يقارب 4 مليارات دولار من أموال دافعي الضرائب الأميركيين (أرقام ما قبل 2026، وقد زادت بعد حرب غزة). هذا المال ليس «مساعدة»، بل رشوة سياسية مستمرة، مقابل ماذا؟ مقابل «معلومات استخباراتية»؟ مقابل قاعدة في الشرق الأوسط؟ كذب، إسرائيل تأخذ المال، تأخذ الطائرات، تأخذ الفيتو في الأمم المتحدة، ثم تفعل ما تريد: توسع المستوطنات، تقصف غزة أو لبنان، وتترك أميركا تواجه العواقب الدبلوماسية والأمنية وحدها.
أميركا: العملاق الأحمق الذي باع سيادته مقابل أصوات وتبرعات، والآن الهجوم على الطرف الآخر، وهو أكثر إيلاماً لأنه يمس الذات: الولايات المتحدة ليست ضحية، بل هي شريكة فعالة في إذلال نفسها، سياسيوها – من بايدن إلى ترامب إلى شومر إلى ماكونيل – يتنافسون علناً على من يقبل يد إسرائيل أولاً، يقفون في الكنيست ويهتفون «أميركا وإسرائيل معاً إلى الأبد» بينما يموت جنود أميركيون في حروب لم تكن لهم مصلحة فيها، الإعلام الأميركي الرئيسي يغطي الجرائم الإسرائيلية بأسلوب «الدفاع عن النفس» الممل، والجامعات تُقمع فيها أي صوت نقدي تحت تهمة «معاداة السامية» الجاهزة.
أميركا ليست محكومة بالقوة العسكرية الإسرائيلي، بل محكومة بفسادها الداخلي: نظام انتخابي يعتمد على المال، ونخبة سياسية لا تملك عموداً فقرياً، هي دولة تتظاهر بالقيادة العالمية وهي في الواقع تابعة لجماعة ضغط أجنبية. لو كانت أميركا فعلاً «زعيمة العالم الحر»، لما سمحت لدولة صغيرة أن تحول مصالحها الوطنية إلى رهينة في الشرق الأوسط. هذا ليس تحالفاً، بل إدمان، إسرائيل مدمنة على المال والدعم، وأمريكا مدمنة على الوهم بأن هذا «مصلحة استراتيجية».
العلاقة ليست «تحالفاً» ولا «سيطرة يهودية عالمية». إنها شراكة في الفساد: إسرائيل تستغل الضعف الأميركي ببراعة شيطانية، وأميركا تسمح بذلك لأن نخبتها مفسدة وجبانة وتجارية، النتيجة؟ ملايين الدولارات تذهب كل يوم إلى دولة أجنبية، سياسة خارجية أميركية مشوهة، استقرار إقليمي مدمر، وشعب أميركي يدفع الفاتورة ولا يفهم لماذا.
لفهم الصورة بدقة، يجب تفكيك عناصر القوة والنفوذ، والتمييز بين التحكم والتأثير السياسي المنظم.
السؤال لا ينبع من فراغ، بل من مشاهد متكررة:
دعم أميركي شبه ثابت لإسرائيل، قرارات سياسية تصب في مصلحتها،تراجع الانتقادات الرسمية رغم الأزمات .
لكن تحويل هذه الظواهر إلى استنتاج “التحكم الكامل” هو قفزة تحليلية غير دقيقة.
لفهم الحقيقة، يجب التمييز بين ثلاث مفاهيم:
التحكم، امتلاك قرار الطرف الآخر،النفوذ، التأثير على القرار، التحالف ، تقاطع المصالح، العلاقة الأميركية–الإسرائيلية تقع في النفوذ والتحالف.

آليات السيطرة: كيف يُمارس اللوبي الإسرائيلي “حكمه” على واشنطن؟

السيطرة المالية: شراء الولاءات: في انتخابات 2024 وحتى سبتمبر، أنفقت “إيباك” ولجنة العمل السياسي التابعة لها أكثر من 100 مليون دولار لدعم المرشحين المؤيدين لإسرائيل وإسقاط منتقديها، هذا الإنفاق الذي تجاوز 126.9 مليون دولار حوّل السياسة الأميركية إلى سلعة تباع لأعلى مزايد، ويمثل استثمارًا مباشرًا في شراء القرار الأميركي لخدمة مصالح دولة خارجية.
السيطرة الإعلامية: تزييف الوعي الجمعي: تسيطر السردية الصهيونية على وسائل الإعلام الأميركية، حيث يُمنع أي نقاش جاد حول طبيعة العلاقة مع إسرائيل،لا يكتفي اللوبي بتشكيل الوعي، بل يُسكت كل الأصوات الناقدة عبر إطلاق شعار “معاداة السامية” على أي رأي ينتقد سياسات الاحتلال.
السيطرة الدينية والسياسية: تحويل القضية إلى “وصاية إلهية”: يرى المحللون أن فكرة “إسرائيل الكبرى” أصبحت واقعًا في الخطاب السياسي الأميركي، حيث وصف السفير الأميركي مايك هاكابي سيناريو سيطرة إسرائيل على الشرق الأوسط بأنه أمر “جيد”. هناك من يرون أن دعم إسرائيل تحول من مجرد سياسة إلى “واجب ديني” في أوساط الإنجيليين الذين يفسرون التوراة بأنها تحض على ذلك، مما يشكل وصاية دينية تعمي البصيرة السياسية وتُقدّم المصالح الإسرائيلية على القيم والمبادئ الأميركية.

هجوم على النخبة الأميركية: من “أميركا أولًا” إلى “إسرائيل أولًا”

في هذا السياق، تستحق النخبة السياسية في واشنطن أقسى عبارات الذم والانتقاد، وكأنها باعت قرارها السيادي لمنظومة ضغط أجنبية، لقد حولت إسرائيل قضية مركزية إلى “تابو” لا يمكن المساس به، وأسكتت كل الأصوات الناقدة بترهات “معاداة السامية”،الجميل في الأمر أن دافع الضرائب الأميركي هو من يدفع الثمن، فيضحّي بأمواله ومصالحه الوطنية في سبيل هذه الوصاية المشينة.

لكن هناك بارقة أمل: الغضب الشعبي يتراكم. فقد أظهر استطلاع رأي أن 55% من الأميركيين يعارضون العمليات العسكرية الإسرائيلية، بينما يرى 56% من الأميركيين أن إسرائيل تشكل تهديدًا للولايات المتحدة.
هذا الرفض المتصاعد، خاصة بين الأجيال الجديدة، يعد مؤشرًا على أن النخبة الحالية تسير في اتجاه معاكس تمامًا لإرادة الشعب الأميركي.

هجوم على إسرائيل: من “الديمقراطية الوحيدة” إلى الدولة المارقة

لا تقل إسرائيل براءة في هذه العلاقة، بل تُسقط في فخ الغرور السياسي. فهي استغلت هذا النفوذ الهائل لتدمير أي أفق للسلام وتكريس الاحتلال، معتمدةً على فكرة أن “العم سام” سيظل إلى الأبد صندوقًا مفتوحًا للدعم السياسي والمالي. هذا الموقف لم يُخرجها من دائرة الإدانة الدولية فحسب، بل كشف زيف روايتها عن “الجيش الأخلاقي”، ورسخ صورتها كدولة عنصرية تمارس أبشع أشكال القمع.

لكن الأهم أن إسرائيل الآن تجد نفسها في موقف لا تحسد عليه، فهي تعاني من أزمة ثقة حقيقية مع حلفائها التقليديين حتى داخل الحزب الجمهوري، وباتت وصايتها على أميركا تتحول إلى عبء استراتيجي يهدد مصالحها ذاتها. وتشير بعض التحليلات إلى أن إسرائيل أصبحت مُقيّدة في تحركاتها العسكرية والسياسية بفعل التحولات في الرأي العام الأميركي.

كيف يُصنع النفوذ داخل النظام الأميركي؟
بنية النظام السياسي الأميركي نفسها الولايات المتحدة ليست نظامًا مركزيًا بسيطًا، بل شبكة معقدة من:
الكونغرس والبيت الأبيض والبنتاغون وجماعات الضغط الإعلامي ومراكز الأبحاث .
هذه البنية تسمح لأي طرف منظم أن يمتلك نفوذًا، وليس فقط إسرائيل.

اللوبي المؤيد لإسرائيل
أبرز أدوات النفوذ: منظمات مثل AIPAC،تمويل الحملات الانتخابية،الضغط على صناع القرار.
لكن من المهم فهم أن :
اللوبي لا “يفرض” القرار، بل يجعل كلفة معارضة إسرائيل مرتفعة سياسيًا، أي أن السياسي الاميركي:
لا يُجبر، لكنه “يُحفّز” لاتخاذ موقف معين
التقاء المصالح الاستراتيجية :
النفوذ لا يُفسَّر فقط بالضغط السياسي، بل بالمصالح:
إسرائيل حليف عسكري متقدم في الشرق الأوسط
بحكم كونها مركز استخباراتي مهم،شريك في التكنولوجيا العسكرية .
أميركا لا تدعم إسرائيل رغم مصالحها… بل بسببها
العامل الأيديولوجي والثقافي : دعم قوي من التيار الإنجيلي في أميركا، تصوير إسرائيل كدولة “تشبه الغرب”
هذا يخلق: حاضنة شعبية تضغط على السياسيين.

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى