القضاء بين السياسة والزعامة … ضاعت العدالة

لن ننطلق من قضية المحامي رامي عليق فقط وطريقة توقيفه التي لا تمت للقانونية بصلة حتى لو كانت صادرة من قاضٍ يرى ضرورة توقيف على خلفية صورته الشخصية. ولن ندخل في ملفات نائمة وعالقة من عشرات السنين. بل سنتحدث عن جزء بسيط من الملفات العالقة والقريبة وأهمها المالية والقتل
فحين ارتفع الصوت لمنع السيطرة السياسية والأحزاب على النقابات الحيوية في لبنان، اتهم المستقلين والتغييرين بالتحريض وشنت حروباً أهمها تخويني من كل الأحزاب وكل الزعماء، ووصل بهم البعض الى مرحلة “كسر العظم” في مراحل التحضير للانتخابات، والوقائع تشهد.
بعد سيطرة تلك الأحزاب والسياسة في شكل واضح وفاضح، باتت المرافق كلها بيدهم ويحركونها وفق مصالحهم، ويواجهون بها خلافاتهم بعيداً عن الحقوق الوطنية والحياتية والقانونية، بل أن سيطرتهم جعلت تغيير القانون لمصالحهم و”بشكل قانوني”.
فالصراع السياسي الذي في ظاهره خلاف على محاصصة ولكنه صراع على مصالح، وصل الى الجسم القضائي، الذي هو أعلى سلطة وأهم سلطة في لبنان، ومن النقابات القانونية الى مجلس شورى الدولة الذي بات معلقاً الى أن يتفق المختلفون (على الشعب).

(شلل قضائي… ينتظر المجهول)
أثبتت الأبحاث والتحقيقات العربية والعالمية أن الخلاف السياسي وصل الى حد شلل القضاء اللبناني، وتنازع المصالح والأطماع إن قضت على القضاء فعلى الأرض السلام.

فحين تستبعد التحقيقات في الجرائم المالية من قبل شركات تحويل الأموال وتصارع جهات الادعاء -ربما لكي لا يتم الوصول الى شركات أخرى- من الواضح أنه كشف مكاتب الشركة خارج بيروت لمجموعة من المؤيدين والمعارضين.

لنبدأ التساؤل (وليس تأييداً بل طرحاً) حين حصلت القاضي غادة عون على بيانات من شركة مكتّف للصيرفة تؤكد أنها ستكشف عن هويات الأشخاص الذين هربوا مليارات الدولارات من لبنان وسط الانهيار المالي الذي ضرب البلاد. لماذا لم يتم الكشف عن الأسماء؟

فقد أشارت بعض الأبحاث على أن هذا الخطوة واضحة أنها جزء من نزاع علني بين عون والمدعي العام اللبناني غسان عويدات، الذي طردها من القضية، قائلاً إنها ارتكبت تجاوزات في مداهمتين سابقتين. وتحول نزاعهما إلى شجار بين أنصارهما في الشارع.

عون، قاضية التحقيق في منطقة جبل لبنان، تقدم نفسها على أنها مناضلة ضد الفساد وتتهم كبار المسؤولين بمحاولة منعها. لكن بالنسبة لمنتقديها، فهي أداة في يد داعمها، رئيس لبنان، الذي يقولون إنه يستخدمها لمعاقبة خصومه السياسيين وحماية حلفائه.

شلل قضائي
لقد أدى التدخل السياسي في القضاء على مدى سنوات إلى إحباط التحقيقات في الفساد والعنف والاغتيالات. لكن انعدام الثقة بالقضاء أصبح جليا الآن، في الوقت الذي يطالب فيه اللبنانيون بمحاسبة السياسيين على الأزمات الكارثية في بلادهم -ليس فقط الانهيار المالي ولكن أيضًا الانفجار الهائل في أغسطس الماضي في ميناء بيروت الذي قتل العشرات ودمر أجزاء كثيرة من العاصمة. وقد تم إلقاء اللوم في الانفجار على عدم الكفاءة والإهمال.

المناصب السياسية اللبنانية مقسمة في ظل نظام تقاسم السلطة بين الفصائل الطائفية. وتخضع التعيينات القضائية للمحاصصة الطائفية نفسها والمقايضة.

غادة عون مسيحية مارونية، مثل رئيس البلاد ميشال عون، وأنصارها بشكل أساسي أعضاء في التيار الوطني الحر الذي ينتمي إليه الرئيس. الاثنان غير مرتبطين. المدعي العام عويدات مسلم سني مثل رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري. المدعي العام المالي في البلاد هو مسلم شيعي، يختاره أكبر فصيلين شيعيين في البلاد، أمل وحزب الله. وبالمثل، يتم تقسيم المناصب عبر التسلسل الهرمي القضائي.

وقال المدعي العام المتقاعد حاتم ماضي لوكالة أسوشيتد برس: “أقام أولئك الذين تمسّكوا بالسلطة قضاء مواليا لهم من أجل محاربة خصومهم وحماية مصالحهم”.

يخوض الرئيس عون ورئيس الوزراء المكلف الحريري صراعا على السلطة منع تشكيل الحكومة لأكثر من ستة أشهر. نتيجة لذلك، لا توجد قيادة لإجراء إصلاحات لإنقاذ البلاد حتى مع انهيار قيمة العملة.
وما يثير استياء شعبيا بشكل أكبر، تحويل الأثرياء والمرتبطين بالسياسة مليارات الدولارات إلى ملاذات آمنة خارج لبنان حتى بعد أن فرضت البنوك قيودًا غير رسمية على رأس المال في بداية الأزمة. لم يتمكن معظم الناس من الوصول إلى حساباتهم المصرفية بالدولار منذ أواخر عام 2019.

القاضية غادة عون كانت تجري تحقيقات حول شركة مكتّف القابضة للاشتباه في أنها ساعدت في تهريب رؤوس أموال. ونفت شركة مكتّف، إحدى أكبر شركات المال وتجارة الذهب في لبنان، أي صلة لها بالتحويلات المشبوهة، قائلة إن جميع الأعمال التي تقوم بها قانونية.

كما رفعت غادة عون قضايا ضد محافظ البنك المركزي رياض سلامة ورئيس الوزراء السابق نجيب ميقاتي، وكلاهما من المعارضين للرئيس.

وقالت عون في تغريدات على تويتر إنها تعرضت للتهميش لأنها تجرأت على فتح ملف كبير وحاولت إثبات الحقيقة بالأدلة. وتتهم معارضيها باستخدام “اتهامات كاذبة” ضدها لتسييس قضية العدالة، التي يريد فيها المظلومون المساءلة.

بعد مداهماتها السابقة، أمر عويدات بشطب قضاياها المالية. وفي 20 أبريل، ظهر هو وعون في جلسة أمام أعلى هيئة قضائية في لبنان، حيث أيدا القرار. في الخارج، اندلعت مشاحنات بين أنصار رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، وفي اليوم التالي نفذت مداهمة للشركة الثالثة.
وقد تكون مداهمة النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضية غادة عون لمكاتب شركات الصيرفة وتحويل الأموال، وتمرّدها على قرار النائب العام التمييزي القاضي غسان عويدات أدى الى عزلها.

فالقاضي عون تقول إن في يدها أكثر من ملف غير الملفاتٍ المتصلة بجرائم مالية، بل أيضاً ملفات قتل، واتجار بالبشر، ومخدرات، وغيرها، إلا أن اقتحامها للشركات المالية ومصادرة الملفات على رغم سحب القضية منها. أشعل فتيل الخلاف السياسي والتساؤل عن الإجراءات القانونية ودور مجلس القضاء الأعلى ومجلس شورى الدولة، وكأن هذه المرافق معطلة (بفعل فاعل… قانوني).

تحقيق الانفجار
كما يراقب اللبنانيون عن كثب التحقيق في انفجار ما يقرب من 3000 طن من نترات الأمونيوم المخزنة بشكل سيء في ميناء بيروت يوم 4 أغسطس. أسفر الانفجار عن مقتل 211 شخصا وإصابة أكثر من 6000 وتدمير الأحياء المجاورة.

اتهم قاضي التحقيق الأول وزيرين سابقين في الحكومة بالإهمال، لكن تم استبعادهما من القضية بعد أن رفع الوزيران السابقان طعونًا قانونية ضد قرار الاتهام. ويشعر الكثيرون بالقلق من أن يمنع السياسيون بديله القاضي طارق بيطار من تحميل أي شخص المسؤولية عن الانفجار.
فالتغيير والوصول الى طريق مسدود واضح، ونظيفو الكف لا يتجرؤون على كشف الأسماء والتدخلات ليس خوفاً على أنفسهم بل على عائلاتهم والمقربون، وكأننا نعيش في فيلم هوليوودي لا نعرف نهايته.

ويتداول المحامون فيما بينهم سراً وعلناً أن القضاة يعرفون أنهم إذا أرادوا مناصب عليا، فلا بد أن يكونوا موالين لزعيم سياسي.
لمعرفتهم بذلك، يتوجه بعض الأشخاص مباشرة إلى السياسيين لطلب مساعدتهم في القضايا، بدلاً من اللجوء إلى السلطات القضائية. ويقوم آخرون بتعيين محام له صلات سياسية قوية لتخويف القضاة.

وقال ماضي إن الحل طويل الأمد هو منح القضاء الاستقلال بموجب الدستور. حاليًا، يخضع القضاء لسلطة الحكومة.

وذكرت وزيرة العدل اماري كلود نجم، أن لبنان “يثبت أنه غير قادر على محاربة الفساد”، مشيرة إلى الانقسامات التي ظهرت في الخلاف بين عون وعويدات.
أضافت: “بعد كل ما حدث، كيف يشعر الناس أنهم يحترمون ويثقون بالقضاء؟”.

التشكيلات
من الواضح أن التدخل السياسي في عمل القضاء موجود دائماً، ويحصل في التشكيلات القضائية صدرت عن مجلس القضاء الأعلى المُسيّس بدوره، والمعيّن من الحكومة التي أسقطت في انتفاضة 17 أكتوبر/تشرين الأول عام 2019، من هنا فإنّ كل ملف فساد يفتح، ينظر حكماً إلى القاضي الذي يثيره وتبعيته السياسية، فيتحكم الوضع السياسي كما هو حاصل في قضية غادة عون – غسان عويدات، المحسوبين على فريقين سياسيين، ولن ينظر إليه بالتالي من منطلق قضائي أو قانوني”.

هذا مؤشر علني صريح لانهيار الهيكل القضائي في لبنان بشكل تام، وهذا بغض النظر عن القرارات القضائية التي تتخذ، سواء بطريقة سياسية أو لا، حيث إنه بمجرد أن تدعم الأحزاب السياسية أحد القضاة بوجه الآخر،
فالحل الأنسب هو تحقيق المطلب الأساسي لثورة 17 تشرين، بوضع برنامج إصلاحي حكومي، إلا إن القضاء تحول لملاحقة الثوار لقمع مطالبهم، خصوصاً بعد خرقهم من قوى الأحزاب والزعماء تحت رايات واهمة وواهية، فباتت القرارات وسيلة قمع بيد السلطة السياسية.

وبات موضوع المحاسبة كارثة على المطالبين بالحقوق الوطنية بالقانون وتحت سقفه وليس العكس، خصوصاً أن لا قاضي نزيها سيتجرأ على فتح ملفات فساد، في حين سنرى الكثير في المرحلة المقبلة من قضاة مسيسين يفتحون ملفات متبادلة تدخل في إطار البازار السياسي، وتغلق بقرار سياسي فتضيع كذلك المحاسبة.

بالشارع وسيلة لإثبات التدخلات السياسية في الشؤون القانونية
من الواضح أن الشارع والاعلام المسيس هما الأبرز لتوليف الحقائق كما يريدون، فمناصرو التيار العوني يتعرضون للهجوم من “تيار المستقبل” الذي يتدخل في عمل القضاء، والحامي الأكبر لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، ويحرّك القاضي عويدات في حربه على “الوطني الحر” التي تأتي استكمالاً أيضاً للصراع الحكومي بين الحريري وعون ومن خلفه باسيل، وكذلك من “القوات اللبنانية”، المعارض الشرس لـ”الوطني الحر” والطامح لإسقاط عون برأيهم، فأطلق نواب “القوات” سلسلة مواقف حادة بوجه التيار والقاضية عون، التي تواجه ميشال مكتف الذي ترشح للانتخابات البرلمانية عام 2018 على لائحة حزب “القوات اللبنانية” بزعامة سمير جعجع، وخسر فيها.

فكل مما يحصل ليس إلا استعراضاً شعبياً للخلافات السياسية، والكل يحمل راية “محاربة الفساد”.
أما الشلل الأوضح فهو الوطن، حيث يختلف الساسة عن معنى وحق الوطن في الحدود، لم يتحرك القضاء ولم تتوحد الكلمة، لأن لا أحد يعرف وطنيته ولا يهتم بمواطنيه، فالمصالح السياسية ستتغير حين تدور دفة المحاصصة لصالحهم.

وداعاً أيها الوطن…

دكتور علي بيضون

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى