
حين وقع اللص الأملس
كتب محمد حسن العرادي
كانت قرية عراد مصيفاً مميزاً ومحبباً لأهالي المحرق على مدى أكثر من قرن من الزمان، وقد إشتهرت قرية عراد آنذاك بعيون ماؤها العذبة وبساتينها الغنية بمختلف أنواع الخضروات والفواكه، وكانت الأرض الزراعية مصدراً غذائياً رئيسياً للأهالي، جسد البساطة في الحياة المعيشية، حين كانت البحرين تأكل مما تزرع من نباتات وما تربي من ماشية ودواجن، و ما تصطاد من أسماك البحر الوفيرة.
كانت بساتين عراد غنية بنخيلها الباسقات ورُطبها الجَنِي من مُختلف الأنواع وخاصة الخنيزي الذي كان ينتشر بكثرة في مزارع وبساتين عراد، حتى ضربت في ذكره الأمثال “يا ماكل من خنيزي عراد وشارب من ماي الطبع” والطبع هذا كان نبعَ ماءٍ عذبٍ جداً يفيض من باطن الأرض الطيبة فتمتلئ به العيون المحيطة حتى يستسقي منه الأهالي والزوار ما يكفيهم من ماء زلال عذب ونقي.
وفي هذه الأجواء المفعمة باللون الأخضر المتمثل في أشجار النخيل واللوز والكنار والجيكو والرمان والموز والليمون والبرتقال والعنب وغيرها من الأشجار المثمرة ومختلف أنواع الخضار الطرية الشهية، وتحت هذه السماء المكتسية بالصفاء والزرقة المرصعة بالنجوم والغيوم، وأمام هدير أمواج البحر الزاهية بالزبد الفضي المتكسرة على الساحل الصخري الذي شكل حاجزاً يمنع الماء من اجتياح البيوت المبنية من السعف.
وفي إحدى الليالي المقمرة تسلل لصٌ يدهن جسمه بالزيت لكي يصبح جسمه أملساً فلا يستطيع أحد الإمساك به، خاصة وأنه كان يهاجم البيوت من دون لباس، وحين أحس به أهالي القرية بعد أن هاجم أكثر من مكان، لاحقوه بكل جدارة، ورغم أنهم أمسكوا به أكثر من مرة إلا أنه كان يفلت من بين أيديهم، حتى لجأ إلى منطقة النزلة حيث العرشان الصيفية، ظناً منه بأنهم سيوفرون له المأوى والأمان.
لكن أهلنا في مصيف عراد هبوا لمطاردته متعاضدين مع أبناء القرية ولم يعبأ أحد من الأهالي بأصله وفصله، فلقد كان لصاً يعتدي على الممتلكات الخاصة بهم، فاسداً أخلاقياً يستخف بالقيم والأعراف والتقاليد، فما كان منه إلا أن ألقى بنفسه في البحر طلباً للنجاة، لكن الأهالي عاجلوه متحدين وألقوا القبض عليه، وبعد وجبة ساخنة من التأديب، تم تسليمه إلى الشرطة، تلك أيام مضت واصبحت ذكرى طيبة، وهنا أيام تعزز لدينا الشعور بأهمية محاربة اللصوص والفاسدين والتوحد في ملاحقتهم وكشفهم، فقد أصبح فسادهم يزكم الأنوف ويلوث الهواء، فما أحوجنا لهذه الروح الوطنية المعبرة عن أصالة هذا الشعب ومعدنه الطيب الذي يظهر أكثر في الملمات والنوائب.



