
لبنان في معركتين كاسرتين… الحزب المستهدف… ماذا عن الفرص؟ 1/ 5
ميخائيل عوض
ماذا ينفعك أن كسبت العالم وخسرت نفسك..!
ماذا يحقق حزب الله لو انتصر ومحوره في الاقليم وخسر لبنان…؟
هل من احتمال لخسارته لبنان؟؟
سيعصف الجواب بلا… ومن رابع المستحيلات… فمن قاد تحريرين وأسهم بصنع انتصارين وأبلى حسناً في الاقليم ويرى نفسه محورياً في التطورات وانتزاع الانتصارات، لن يفوته نصر سهل ممتنع في لبنان وفي يده حالماً يتخذ القرار… هذا ما سيكون جواب الأغلبية الساحقة لأنصار الحزب والمؤيدين لمحور المقاومة… فيكون السؤال لماذا لم يتخذ قراره… ومتى يحسم أمره؟
وقد يقع السؤال بذاته وممن سأله موقع استغراب ودهشه لا ينقصها المشككون… فمن المحرمات عند البعض أن تطرح سؤالاً تشكيكياً، ولو أن الشك هو الطريق إلى اليقين، وقد حض الله عز وجل في كتبه السماوية وبأفواه رسله وأنبيائه عباده على التفكير والتذكير والشك كطريق للقين.
لحزب الله ذرائعه القوية والمفهومة وعند العقلاء والدارسون الجادون التزامات وأداء الحزب وذرائعه تحترم لتبرير إدارة ضهره للساحة اللبنانية وأزماتها، وصراعاتها منذ نشأته حتى القريب الماضي. فمن تشغله مهمة تحرير القدس وقد أكمل عدته، وقرر مع محوره أن يهزم أميركا في سورية والعراق ويذلها بعدد القتلى من جنودها “جاؤوا عامودياً ويعودون أفقياً” ويثق بأن إخراج أميركا مهزومة سيجعل تحرير فلسطين، وإقامة الصلاة في الأقصى خلف السيد حسن نصرالله أمراً راهناً، سيجد في سؤالك عن لبنان وحزب الله مزحة سمجة ولهو بلا معنى! فإذا كانت هزيمة أميركا ستؤدي إلى تحرير فلسطين بلا حرب، فما بالك من شلاعيط لبنان ومن شيا ونفوذها في الدولة وإمساكها المسؤولين ومفاتيح المنظومة من رقبتها وتهديها بالعقوبات؟ وماذا ستكون عليه منظمات ngos وأحزاب الرقص والهز في الشوارع والساحات، والحالمين بعودة أميركا وإسرائيل إلى لبنان ليتسلقوا درج قصر بعبدا؟ وما الذي يفيد من سفارة قلعة كلفتها مع السمسرات أكثر من مليار دولار فريش …؟
على كل حال، وأي كانت آراء الآخرين نجد من الواجب والعقلانية بل وللوصول إلى اليقين طرح الأسئلة بلا قيود ولا اهتمام بما سيقال. فتلك بالأصل طريقة ومنهج وكلام السيد حسن نصرالله نفسه وعلى لسانه والحق يقال إن المصفقين له كثر، بينما السامعين الفاهمين بعمق لما يقوله ربما نادرون.
المعركة الفاصلة الجارية في لبنان وتستهدف حزب الله والمقاومة أولاً… تتجسد في الأزمة الاجتماعية الاقتصادية- السياسية الجارية على قدم وساق، وعلى صلة نوعية بالمعركة الآتية من استحقاق مفصلي يتجسد بالانتخابات النيابية إن حصلت!
في انتخابات 2018 أعلن الحزب برنامجه وشعاره وتكفل السيد حسن نصرالله شخصيا بالترويج له، ووضع ثقله الشخصي ومكانته العالية في الانتخابات تحت شعار محاربة الفساد كشرط لتأمين الناس بحاجاتها وحقوقها وحفظ ودائعها وتأمين مستقبل الأطفال.
وتفصلنا أسابيع عن الانتخابات يسأل ماذا حققت محاربته للفساد؟ في الواقع المعاش وما بلغته الأزمة، واختلال توازنات الدولة ومؤسساتها بما فيها القضاء وانتظام الجميع في خندق الفساد والفاسدين، فلا الشارع لباه وقبل خطته بتوازن الضغط في الشارع مع جهود الحزب وكتلته النيابية في النظام، ولا تحالفاته والقضاء ساروا معه فأعلن الحزب عجزه في مواجهة المنظومة المحكمة الاغلاق وبلسان السيد نصرالله “معركة محاربة الفساد أعقد وأطول من معركة تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي”. وفي هذا إقرار بالعجز والعجز في لغة الحروب تعني خسارة جولة ومعركة، وقد تكرست الهزيمة المرة بأن المنظومة نجحت بتفليس البلاد والعباد، وخلقت أزمة غير مسبوقة في تاريخ الدول والشعوب، وسرقت رواتب وتقديمات وحقوق الموظفين والمتقاعدين والبلديات والنقابات والصناديق والضمان والمودعين والمغتربين والسوريين والعراقيين بأكثر من مئة مليار دولار، وجلهم من القاعدة الاجتماعية لمحور المقاومة. أموال لو حفظت كانت لتكفي إطلاق وتمويل إعادة إعمار سورية وانهاض لبنان وحمايته، ويزيد في مرارة الهزيمة أن رهانات الحزب على من كان يفترضهم حلفائه في الدولة والمنظومة جاءت نتيجتها عكسية، فالكل وحيث توفرت له الفرصة وعلى رغم ما قدمه لهم الحزب طعن المقاومة بخنجر مسموم، وقد عبر عن المرارة السيد حسن نصرالله بلسانه أيضاً عندما طالب برئيس حكومة وبحكومة سيادة وطنية لا تخضع للإملاءات الخارجية، في وجه غدر سعد الحريري الذي أقال حكومته بعد 17 تشرين وطالب بانتخابات مبكرة بإملاء من شيا والإدارة الأميركية، بعد أن كان السيد التزم بحماية العهد والنظام والحكومة وطالب الكتلة الشيعية وحلفائها بالانسحاب من الشارع بعد 17 تشربن 2019.
وبلسانه أيضاً كرر مرارته من فرقاء في المنظومة عندما طالب من حمى ويحمي حاكم المصرف بذريعة أن إقالته ستجعل الدولار بـ12 ألف ليرة بوضع حد له وبضبط الدولار ولم يفعلها لا الحاكم ولا من حماه ومنع إقالته.
ولم يخف السيد لومه للحلفاء عندما قال تخافون من العقوبات ونحن ندفع الدم، وأشاد بمناقبية الوزير فرنجية في الانتخابات الرئاسية، إشارة ورداً على اتهامات باسيل للحزب وتحميله مسؤولية انهيار شعبية التيار وسلسلة اخفاقات معارك باسيل مع طواحين الهواء…
الأزمة الاقتصادية تتسارع وتتسارع معها نفاذ قدرات اللبنانيين على التحمل وتسارع استنفاذ تقديمات حزب الله للعائلات المحتاجة، واستنفاذ خطوة تأمين المازوت والمحروقات الإيرانية في تلطيف الأزمة، ولو أنها جاءت خطوة هائلة النوعية والايجابية بكسرها الحصار عن سورية وإيران ولبنان والعراق وإذلال إسرائيل وأميركا، وتكريس ميزان قوى في صالح محور المقاومة في البحر والبر وعموم الاقليم ومسارح حروبه، إلا أنها كانتصارات حزب الله العبقرية والاعجازية لم تصرف في لبنان وفي لعبته المعقدة ونظامه الفاسد والمفسد ومنتج الفساد.
شيا والمنظومة يمسكون بكل الخيوط ويديرون المعركة بتفوق وتقان، ويحققون مكاسب ويراكمون تحضيرا للجولة الثانية الفاصلة ويراهنون على الاستحقاق الانتخابي أن تم. وغالب الظن أن الانتخابات لن تحصل.
في المعركة الاقتصادية الاجتماعية أخطأ حزب الله أو هو تصرف لأسبابه بتجاهل بعدها السياسي ولم يجهد عقله في سبر أسبابها وأغوارها، والتعرف إلى مقدماتها بصفتها أزمة تكوينية، ولم يدرك أو هو يدرك ولم يعلن أنها أزمة عميقة هيكلية تضرب في افتقاد الكيان لوظائفه وتتجسد بإفلاس النظام، وتتجلى كأزمة حكم عبرت عن نفسها بالفراغات والتمديد للبرلمان وخلو قصر بعبدا وتعثر تشكيل الحكومات، وانفجرت بأزمات مالية اجتماعية اقتصادية وتعصف” بعض مما قاله ماكرون وتشديده وتحذيره اللبنانيين من خطر زوال الكيان، وأشار إلى أزمة العقد الوطني ووبخ المنظومة واتهمها في وجهها ووصفها بأقذع الصفات “وسبق أن مرر السيد حسن نصرالله عبارة؛ أننا في أزمة إفلاس نظام” في خطابه لمؤتمر الإعلامين نصرة لفلسطين، سرعان ما سحبت من التداول ولم يجرِ التوسع فيها. واستمر الحزب يتعامل مع الأزمة وكأنها أزمة عابرة يمكن معالجتها بالتقديمات الاجتماعية لمن يستطيع من الأسسر والعائلات والكتل الاجتماعية وبذل هو ما استطاع مشكوراً، لكن تقديماته على أهميتها لم تلجم أو تعالج الأزمة ولم تكسبه ولاء قطاعات اجتماعية جديدة، بل أسهمت في انحسار قاعدته التقليدية وفي البيئات الأخرى التي كانت تناصره وتعتد بتضحياته وانتصاراته، وهذه نتيجة منطقية في واقع تفاقم الأزمة وبلوغها ذروة تفقد الناس أبسط الحاجات الحياتية. فحزب الله خسر جولة وما زال يخسر، على رغم أن المعطيات والفرص توفرت له وما زالت متوفرة ليكون الكاسب الوحيد في الاستثمار بأزمة الطبقة “وهو ببنيته وطبائعه وتمويله من خارجها” وأركان الحياة السياسية اللبنانية، وهو ليس منها ولا من بنيتها ومواصفاتها وشكل ظاهرة مختلفة مكنته من الانتصارات والتمرد على خيانة وتعامل المنظومة ونظامها…!
لماذا اختار حزب الله جانب الخسارة وذهب إليها بقراره هو غير مضطر ولا ملزم وبلا حاجة أو سبب موجب؟ ذلك أمر يجيب عنه الحزب وله ذرائع وحجج كثير منها كان قد قالها السيد في خطبه واطلالته، وغالب دوافعه الذعر من فتنة شيعية- شيعية، والحزب ملزم عقائدياً وبفتوى القائد الإمام الخامنئي بحرمة دم الشيعي على الشيعي، وبسبب اكتوائه بنار حرب اقليم التفاح والحرب مع أمل، وقد استنزفته حينها وأدمت الطائفة.
وبعلى رغم أن الفتنه الشيعية الشيعية ليست مطلوبة من أحد وليست في صالح أحد، أيضاً هي ليست حكمية، ولا هي ضرورة واجبة، لو أن الحزب فك العلاقة بالمنظومة وبنظامها الفاسد والمفلس الذي أوصل البلاد والعباد إلى الكارثة الجارية، التي تصيب الكتلة الشيعية ومنها قاعدة حركة أمل أكثر المتضررين من الأزمة، ونهب البلاد والعباد، وكذلك الكتلة الشيعية التي اغتربت وجمعت ثروات تبددت بنهب المنظومة، وجشعها، وربما لم يتنبه الحزب إلى أن الشروط الموضوعية التي توفرت للتحالف الثنائي وأمنته طويلاً، قد انحسرت وتسارع الانحسار، فحصة الشيعة في الدولة التي نأى الحزب بنفسه عنها وتركها للرئيس بري وأمل، على أن تؤمن حماية للمقاومة في الدولة، في مقابل أن تؤمن المقاومة الحماية في الشارع وتكتفي المقاومة وكتلتها بالتمويل الإيراني والحوزات، ولا تنافس أمل في حصص الشيعة في الدولة، فهذه المعادلة اختلت بانهيار رواتب ومداخيل الدولة والقطاع العام مصدر حياة كتلة واسعة من أمل والشيعة، بينما المناطق الشيعية ضلت مفقرة وبلا مؤسسات إنتاج وتشغيل وتأمين الحاجات والبدائل.
وفي واقع الحال من الواضح أن الحزب وقيادته أخذت على حين غرة بالانهيار المالي الاقتصادي، ولم يكن الاقتصادين وخبرائها الاجتماعين قد نبهوها لما بلغته البلاد على رغم أن سياسيين وخبراء مقربين وفي محور المقاومة، كانوا قد رفعوا الصوت كثيراً وساقوا الحجج والأرقام ولم تفاجئهم الأزمة والانهيار قط، بل كانوا قد ضربوا لها مواعيد وحذروا من ذات تفاصيل ما يحصل…
هل وقع الحزب ضحية خديعة مسبقة الصنع؟ أم فاتته المعطيات والمؤشرات القاطعة؟ لكونه أخرج من الدورة الاقتصادية والمصرفية ولكون دخله بالدولار، وكذلك دورته المالية الخاصة والمستقلة عن دورة الاقتصاد اللبناني، وتعاملاته ليس بالعملة الوطنية، وهذا أمر راجح أيضاً، إلا أن النتيجة ومخاطرها ذاتها.
ومن وقائع خساراته أنه حمى ورعى حكومة دياب وتحمل مسؤوليتها، إلا أنها فشلت وأفشلت وبددت 17 مليار دولار بسبب الحلفاء وتناقضاتهم ومصالحهم ولم يراع أحد منهم الحزب وقراره وحاجاته.
والفشل ينساق على دور الحزب وأدائه في حكومة ميقاتي، وقد رشحته كتلة الحزب في الاستشارات النيابية، واستعجلوا التشكيل، ومنحوها الثقة. وحكومة ميقاتي انتدبت لمهمة تصفية أصول الدولة لاستكمال عملية النهب وتفريغ لبنان من أي فرص للنهوض، ووضع لبنان تحت سلطة وصاية صندوق النقد وصندوق النقد أداة أميركية لإنفاذ السياسات والمصالح الأميركية الإسرائيلية في لبنان، والمستهدف بشروطه سلاح الحزب والصواريخ الدقيقة وسيادة لبنان واستقلاله، وإلا لا ديون ولا من يحزنون.
وفي الحكومة الميقاتية يخسر حزب الله ويضطر للتراجع عن التزاماته برفض صندوق النقد وشروطه ورفضه بيع الأصول، وباضطراره لتغطية قراراتها الاجرامية بحق الشعب والسطو على أمواله المودعة في المنازل، ومدخرات الأسر، وما يعد من موازنة لا تصحح فيها الرواتب والتعويضات، بل تزاد الضرائب وأسعار الخدمات عشرات الأضعاف، ما سيدفع للانفجار ويؤدي حكماً إلى انهيار الدولة والمؤسسة العسكرية والقطاع العام الوظيفي …؟
فرط الحزب بالفرص أو فاتته لعدم اهتمامه وانشغالاته خارجياً، وانطلت عليه الخدعة ووقع ضحية التضليل وراهن على حلفاء وعلى خطوات وإجراءات لتخفيف وطأة الأزمة ولم ينجح! فحبل مشنقة الأزمة وتفاقمها وابتلاء الشعب والكتلة الشيعية يشتد على الاعناق، والمنظومة وحكومتها الميقاتية تعدنا بالمزيد من الكوارث، ويد حزب الله البيضاء استنفذت ما تستطيع وباتت خالية من جديدها أو المفاجآت…
غدا، هل تفيد الفوضى وانهيار النظام والدولة وأجهزتها حزب الله ومشروعه؟ وهل حقا يستطيع تأمين مناطقه؟
….يتبع



