
فلسطين تغلي والمقاومة تفرض بؤرها المحررة في الضفة والآتي أعظم
ميخائيل عوض
قلناها وكتبنا وشرحنا وفصلنا أن فلسطين باتت في زمن التحرير الكامل وأن إسرائيل تعيش أيامها العادية المعدودة.
حشدنا ويمكن أن نحشد آلاف الوقائع والمعطيات المعاشة واليومية التي تجزم بان ظروف وشروط وبيئات والعناصر التي توفرت لإنشاء الكيان الصهيوني وتمكنه وسيطرته لزمن قد تغيرت وانقلب غالبها إلى الضد.
وفي منطق الحياة كل من يفقد وظائفه إلى زوال، وما أن تتغير الأحوال والبيئات إلا وتتغير نواتجها، هذه دروس وقواعد حياة يتجاهلها الكثيرون، واو لا يستطيعون بآليات تفكيرهم الماضوي ومناهجهم البائدة، مواكبة التطورات والمتغيرات فتتسمر أفكارهم عند الماضي وكانه باق أبداً ولا يمسه التغير. والكثيرون ما زالوا قابعين في أفكارهم في زمن الهزائم ترتعد فرائصهم من مجرد التفكير بأن حاجات الأزمنة والجغرافيا تفرض نفسها وعنوة، كالذين مسهم اليأس وضرب في أدمغتهم الشعور بالضعف كالذين عشعشت الدعاية الإسرائيلية والغربية في أدمغتهم، و ترسخها دعايات ونظريات أنظمة وفصائل الاستسلام والتسليم والمستفيدة من استمرار الواقع على ما هو، من دون تغير فتتاجر بشعارات التحرير والنضال لتحمي ما تحقق لعناصرها من مكاسب وأموال وسطوة فينغمسون في حملات التهويل والتخويف ويشيعون نظريات الضعف والعجز عند العرب وأهل القضية ويصنعون في مخيلاتهم ومخيلات الجماهير نماذج افتراضية لعدو أسطوري وسوبر ماني أبدي لا يهزم.
وقائع الميدان ومعطياته الفاقعة الوضوح، وتقارير أجهزة الأمن الإسرائيلية ذاتها، وكتابات إعلاميها وخبرائها حتى المخابرات المصرية والأميركية قدمت الكثير من المعلومات والوقائع والنصائح لإسرائيل عن مخاطر انفجار عنيف انتفاضي مسلح في الضفة وفلسطين اـ48 قد تضرب كالعاصفة لاقتلاع الشجرة اليابسة التي أصبحتها إسرائيل منذ هزيمة 2000 ومن ثم هزيمة غزة 2005 وهزيمة حرب تموز 2006، ولأن محور المقاومة وفصائله لم يتحولوا من استراتيجية الدفاع إلى الهجوم، وانشغلت الفصائل الفلسطينية بخلافاتها وقدمت مصالحها وتحالفاتها على أولوية التحرير واقتلاع الشجرة اليابسة، فقد فعل الزمن فعله وضرب السوس الشجرة من جذورها، وتجمعت بعد هزائم أميركا في أفغانستان والعراق وسورية، وانهيار قدرات تحالفاتها الاقليمية والمحلية واستنفاذ نظم وفصائل التطبيع ما لديهم لإسناد إسرائيل والمشاريع الأميركية، ولأن الشعب الفلسطيني اختبر كل المشاريع والحلول والأوهام ودعاتها ولم يعد له إلا النضال والسلاح بعد أن كرر هباته وانتفاضاته واعتمد مقاومة الدهس والسكاكين، وتثبت أن لا مخرج إلا بالسلاح والمقاومة، وقد تعززت روحها والثقة بها كخيار وحيد بتحفيز انتصارات محور المقاومة في كل المعارك والحروب وتحول وامتلاك إيران لقرارها السيادي وخوضها الحروب والاشتباكات مباشرة في حرب الممرات والناقلات والحرب السرية والسيبرانية، واشتبكت مباشرة مع الأميركي وفرضت الاذلال على أميركا والغرب في المفاوضات والملف النووي، وبلغت الدولة النووية والفضائية والصاروخية، وامتلكت تقانة وتكنولوجيا المستقبل وعلومه، ولم تبخل على فصائل المقاومة بل وفرت لها كل ما تحتاج بما في ذلك صناعة الصواريخ الدقيقة والمدمرة والمسيرات واختبرت قدراتها وأسقطت تقانة القبب الحديدية في غزة ولبنان واليمن، تحولت أكثرية الشعب الفلسطيني لا سيما أجياله الشابة.
أجيال ما بعد اوسلو وما بعد التفريط والخيانة والهزائم والصراعات الفصائلية، وظهر إلى العلن مقاومون من أعمار وأجيال وقدرات ومعرفة بأصول التنظيم وبقيم العصر ووسائطه، واتقنوا استخدام الشبكات فخاضوا المواجهات في كل الميادين وألزموا غزة في حرب سيف القدس أن تنخرط بالحرب، ثم تقدمت الجهاد الاسلامي عندما تخلفت حماس وتبرر تخلفها بتأمين حاجات غزة والعمالة في إسرائيل وإعادة البناء.
تتصاعد عمليات الاشتباك المسلح في الضفة وضربت في فلسطين 48 وفي غور الأردن بإتقان وتجري عمليات الاشتباك والتصدي والكمائن بالسلاح الناري للدوريات الإسرائيلية وعلى الحواجز، ويتم التصدي بالصدور وبالسلاح والعبوات المصنعة محلياً لحملات الاعتقال والدهم التي يمارسها الجيش والأمن الإسرائيلي، وتشهد مدن وقرى الضفة تطويراً خلاقاً لتنظيم المواجهات واستهداف المستوطنين ودوريات الأمن الإسرائيلي، ما فرض توازناً جديداً وخلق معطيات نوعية في المواجهات ترسم سيناريوات واحتمالات تجعل من تحرير فلسطين الكاملة مسالة وقت وفي زمنها الجاري وقد يتسارع في أي لحظة.
فبعض المعطيات يمكن رصدها على النحو الاتي:
– سلطة أوسلو، وأجهزة دايتون التي أمنت إسرائيل وسعت لإجهاض المقاومة واعتقال وتصفية النشطاء باتت مأزومة وعاجزة ومتهمة، وقد انفضت عنها فتح وعادت كتائب الأقصى إلى ميادين السلاح والمواجهات بتنسيق مع حماس والجهاد وحزب الله، ومجموعات المناضلين في الضفة والـ48.
– حزمت حركة الجهاد أمرها وتحررت من مراعاة حماس وحاجات حكومتها في غزة والتزاماتها مع المصري والقطري والتركي، وفي الجولة الأخيرة التي تخلفت فيها حماس واستهدفت الجهاد فتحملت عبء الإقدام إلى الصفوف الأولى وبكل حال فالضفة وفلسطين الـ48 بعيدة عن ضوابط وأمن وهيمنة سلطة حماس الغزاوية.
– جيل ما بعد أوسلو ولد وراهن وعاش خيارات التصالح والتسوية وكذبة الدولتين، وتعرض للسجن والاعتقال والتنكيل وعاين سرقة المياه والأرض، وطرد العائلات من منازلها وحرق الأطفال وتدنيس الأقصى، وأدرك بتجربته المعاشة أن الاحتلال ظالم وعدواني، وأنه استيطاني لا يقر لأهل البلاد بأي حقوق، بل يمارس مستوطنوه أبشع أشكال وممارسات الاضطهاد والعنف، وجيل ما بعد أوسلو متحرر من عقليات الفصائلية وصراعاتها ومن روح الهزائم التي استوطنت عقول قادة الفصائل واستكانوا وهرموا وباتت همومهم حماية المكاسب. وعرف جيل ما بعد أوسلو الخطر الماحق الذي مثلته سلطة إدارة السجون” سلطة أبو مازن- دايتوت” وتنسيقها الأمني وحمايتها للمستوطنين وجنود الاحتلال.
– جيل ما بعد أوسلو شهد وعاش وتفاعل مع انتصارات لبنان، وغزة واليمن، ويدرك بحسه الوطني أن الظروف والمعطيات التي تأمنت للمقاومة في لبنان واليمن لانتزاع الانتصارات متوفرة للفلسطينيين، وتوفرها يفيض فالشعب الفلسطيني لا تنقصه التجربة والخبرات والكفاحية وروح المقاومة، وما نجحت به المقاومة في لبنان وفي غزة يمكن أن تنجح به المقاومة في الضفة وفلسطين الـ48 وتتوفر لها الجغرافية وعدد السكان وشروط الاشتباك المباشر وفي قلب والجملة العصبية للكيان.
– جيل ما بعد أوسلو منفتح على التقانة ويجيدها ويعيش قيم العصر ويتفاعل مع أجيال عربية وإسلامية وأوروبية وأميركية مختلفة أيضاً عن جيل الحرب العالمية الثانية والمحرقة والسعي الاستعماري، ولهذه الأجيال توفرت وسائط ولغات التفاعل الخلاق وتبادل التجارب والخبرات والمعارف.
– وجيل الانتفاضة الثالثة المسلحة الجارية في فلسطين التاريخية في أراض 48 والضفة يعرف العدو ويقرأ صحفه ويعرف ما يعيشه من أزمات وخواء، ويعرف مدى ضعف روحه المعنوية المنهارة ويعايشون حالة الذعر التي تصيب الصهاينة من حركة أصبع السيد نصرالله ومن تهديداته، وتالياً هو جيل مشبع بالعنفوان والروح الكفاحية وبالتفاؤلية ونشدان مستقبل التحرير والخلاص من دولة الإرهاب والاغتصاب.
فالانتفاضة المسلحة الجارية في الضفة والمتفاعلة مع فلسطين الـ48 وما تحققه من عمليات وإرباك وإعجاز للإسرائيلي انعكست أيضاً في معطيات واقعية ومادية يلمسها الشعب الفلسطيني. فالحواجز والمستوطنات ووحدات النخبة الإسرائيلية لم تعد قوة مخيفة بل تجرأ عليها المقاومين بالحجارة والمفرقعات، وبدأوا يتعاملون معها بالسلاح الناري. وتجربة مخيم جنين الأسطورية بدأت تستهوي القلوب والعقول وتشكل مناطق خارج سيطرة الاحتلال وأجهزة السلطة وعيون الخونة.
فشباب نابلس والخليل والمخيمات والمحافظات باتوا يسيرون على نفس المنهج والطريق ويمتشقون السلاح ويصنعون العبوات ويستخدمونها بدل الحجارة والسكاكين.
وبسبب عجز الأجهزة والقوات الميدانية وفشلها وتعرضها للخسائر بدأت إسرائيل استخدام الطيران المسير المسلح في الضفة، في إشارة لما بلغته إسرائيل من حالة عجز لأجهزتها، كما عادت نغمة النصائح بتعزيز سلطة أبو مازن وأجهزتها وزيادة تمويلها الأمر الذي أصبح في خبر كان ولن يجدي نفعاً.
تتصاعد عمليات المقاومة نوعاً وكما وتتسع دائرة المواجهات وتتشكل كتائب وفصائل وسرايا للمقاومة في مدن وبلدات الضفة وتتراجع قدرات إسرائيل الأمنية والعسكرية في المواجهات، وهذه هي ذاتها مسارات التحول في غزة التي فرضت على إسرائيل الانسحاب الهزيمة وتفكيك المستوطنات، وذاته مسار تطور وتحولات المقاومة في لبنان من الانتفاضات والمواجهات الشعبية وتعاظمها إلى السلاح الفردي والعبوات والكمائن والاستشهادين فالحاق الهزيمة وتحرير لبنان تحت النار من دون قيد أو شرط..
ماذا يمنع الضفة وفلسطين 48 من أن تستلهم المسيرة والخطوات…
هل لدى إسرائيل ما يخيف الشعب الفلسطيني أو يهزه…وهل من فاعلية لطائرات “F 35” وللقنبلة النووية في رام الله ونابلس وقلقيلية وبئر السبع واللدو النقب والجليل المتمردان، وقد قالها غانتس وزير الدفاع الإسرائيلي؛ لقد فقدت إسرائيل السيطرة على الجليل والنقب؟
هل شن إسرائيل حربا على إيران أو سورية يجعلها قادرة على إجهاض الانتفاضة؟ لم نقل لبنان لأن إسرائيل وقيادتها ترتهب من مجرد ذكر لبنان والمقاومة…
أنه زمن التحرير وسنتابع كفاحية شعبنا ومقاومينا ونجيب على كل الأسئلة، فالظروف الموضوعية وكل البيئات أصبحت ناضجة لهبوب عاصفة اقتلاع الكيان المتيبس والذي نخره السوس…



