
خورشيد أفندي معاون الواحات الداخلة
ورحلة رولفس لاستكشاف إمكانية توصيل مياه النيل إلى الواحات
بحث واعداد: محمود عبد ربه
يُعد جيرهارد فريدريش رولفس (1831–1896) واحدًا من أشهر المستكشفين الألمان الذين جابوا القارة الإفريقية خلال القرن التاسع عشر، وقد تركت رحلاته واستكشافاته أثرًا مهمًا في تاريخ دراسة الصحراء الكبرى وجغرافيتها.
ومن بين أهم رحلاته رحلته الاستكشافية إلى الصحراء الليبية شتاء عامي 1873 و1874، برعاية الخديوي إسماعيل، وهي الرحلة التي ارتبطت بتساؤلات علمية وجغرافية مهمة حول طبيعة المنخفضات الصحراوية، وحقيقة ما كان يُعرف آنذاك باسم «بحر بلا ماء»، وإمكانية الاستفادة من مياه النيل في استصلاح الأراضي الصحراوية.
كانت فكرة وجود مجرى مائي قديم يمتد من وادي النيل غربًا عبر الصحراء، وصولًا إلى الواحات الداخلة، من الأفكار التي شغلت الجغرافيين والباحثين في ذلك الوقت. وارتبطت بها تصورات حول إمكانية نقل مياه النيل إلى تلك المناطق والاستفادة منها في التوسع الزراعي. ومن هنا جاءت أهمية استكشاف المنطقة والتحقق من طبيعتها الجغرافية وارتفاعاتها عن مستوى سطح البحر.
وقد حظيت الرحلة برعاية الخديوي إسماعيل، الذي كان مهتمًا بالتوسع في مشروعات التنمية وزيادة الرقعة الزراعية، وشارك فيها عدد من المتخصصين الألمان، من بينهم عالم النبات بول آشرسون، والجغرافي ويلهلم جوردان، والجيولوجي كارل ألفريد فون زيتل، إلى جانب المصور فيليب رميلي (Philipp Remelé)، الذي وثّق بالصور مشاهد الواحات والصحراء وسكانها.
بداية الرحلة والوصول إلى الواحات
وصلت البعثة إلى أسيوط في ديسمبر 1873، ومنها بدأت رحلتها البرية غربًا باتجاه واحة الفرافرة، بعد تجهيز القافلة بمستلزماتها وكميات كبيرة من مياه الشرب، حملتها في أوعية معدنية خاصة على ظهور الإبل، استعدادًا لعبور المناطق الصحراوية التي تفتقر إلى مصادر المياه.
وفي 30 ديسمبر 1873 وصلت البعثة إلى واحة الفرافرة، بعد رحلة بدأت في 18 ديسمبر، وأقام أفرادها هناك فترة قصيرة، إلا أنهم واجهوا استقبالًا غير ودي من بعض الأهالي، في ظل تأثير الدعوة السنوسية والتحذيرات التي كانت قد وصلت إلى السكان من وجود البعثة الأوروبية.
وبعد ذلك اتجهت القافلة جنوبًا إلى الواحات الداخلة، حيث كان يحكم الواحة آنذاك خورشيد أفندي، الذي تشير الرواية التاريخية المحلية إلى أنه كان يشغل منصب معاون الواحات الداخلة، والمسؤول إداريًا عنها أمام الحكومة المصرية.
وقد كان لتعاون الإدارة المحلية دور مهم في تيسير إقامة البعثة وتحركاتها داخل الواحة، وإتاحة الفرصة لأعضائها للتعرف على معالم الداخلة وآثارها القديمة. فقام أفراد البعثة بزيارة المواقع الأثرية والمعابد، وإجراء دراساتهم وبحوثهم في مجالات الجغرافيا والجيولوجيا والنباتات، فضلًا عن تسجيل مشاهداتهم عن حياة السكان والزراعة والعادات المحلية.
من الداخلة إلى الصحراء الكبرى… ورحلة البحث عن الكفرة
بعد انتهاء أعمالها بالداخلة، اتجه رولفس غربًا في محاولة للوصول إلى واحة الكفرة الليبية، وكان يأمل في عبور المساحات الصحراوية المجهولة التي تفصل الواحات المصرية عن الأراضي الليبية.
لكن الطريق لم يكن سهلًا؛ فقد واجهت البعثة سلاسل هائلة من الكثبان الرملية الممتدة من الشمال إلى الجنوب، والتي عجزت الجمال المحملة بالمؤن والمعدات عن اجتيازها.
واضطرت البعثة إلى تغيير مسارها والاتجاه شمالًا بمحاذاة الكثبان الرملية، حتى وصلت إلى واحة سيوة.
ومن الأحداث اللافتة خلال هذه الرحلة سقوط أمطار نادرة في قلب الصحراء، استمرت يومين خلال الفترة من 2 إلى 4 فبراير 1874، وبلغت كميتها أكثر من 16 ملليمترًا، في موقع أطلق عليه رولفس اسم «ريجنفيلد» (Regenfeld)، أي حقل المطر، وهو اسم ظل معروفًا في الخرائط الجغرافية للصحراء الغربية.
وبعد الوصول إلى سيوة، عادت البعثة جنوبًا إلى الواحات الداخلة، ومنها واصلت رحلتها إلى الواحة الخارجة، ثم اتجهت شرقًا نحو وادي النيل، حتى وصلت إلى مدينة إسنا في 31 مارس 1874.
نتائج البعثة.. حقيقة بحر بلا ماء
كانت نتائج رحلة رولفس ذات أهمية كبيرة في تاريخ استكشاف الصحراء الغربية المصرية.
فقد تمكنت البعثة من جمع معلومات جغرافية وجيولوجية ونباتية مهمة عن مناطق واسعة من الصحراء، وسجلت ملاحظات دقيقة عن الواحات وسكانها وآثارها، كما وثّق المصور فيليب رميلي عددًا من المشاهد التي أصبحت من الشواهد المصورة المبكرة على طبيعة الحياة في الواحات خلال القرن التاسع عشر.
أما النتيجة الأهم، فكانت عدم العثور على مجرى مائي قديم متصل كما كانت تصوره بعض الخرائط والنظريات الجغرافية آنذاك، وتبين أن «بحر بلا ماء» لا يمثل نهرًا قديمًا ممتدًا من وادي النيل إلى الواحات، وأن طبيعة الانخفاضات والتضاريس الصحراوية لا تسمح بتنفيذ التصورات التي قامت على افتراض إمكانية انسياب مياه النيل إليها بالجاذبية.
وعاد رولفس إلى القاهرة حاملًا حصيلة علمية كبيرة من نتائج الرحلة، ثم نشر تقريره الشهير عام 1875 بعنوان «ثلاثة أشهر في الصحراء الليبية»، إلى جانب دراسات علمية أخرى أعدها أعضاء البعثة ونُشرت في السنوات التالية.
وهكذا لم تكن رحلة رولفس مجرد مغامرة لاستكشاف الصحراء، بل كانت محطة مهمة في تاريخ الدراسات الجغرافية والعلمية للواحات المصرية، كما أنها تركت لنا صورًا ووثائق ومعلومات ذات قيمة كبيرة عن الواحات الداخلة وسكانها وآثارها خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
__________
المراجع والمصادر التاريخية
1. Gerhard Rohlfs – Drei Monate in der libyschen Wüste (1875).
جيرهارد رولفس، كتابه الأصلي عن رحلة استكشاف الصحراء الليبية خلال عامي 1873–1874، ويتضمن وصف الرحلة ومشاهداته الجغرافية والعلمية، ومساهمات العلماء المشاركين، والصور الفوتوغرافية التي التقطها فيليب رميلي.
النسخة الرقمية: https://www.digitale-sammlungen.de/en/details/bsb11313220
2. Deutsche Biographie – Gerhard Rohlfs (1831–1896).
الموسوعة الألمانية للسير التاريخية، وتتضمن سيرة رولفس ورحلته العلمية برعاية الخديوي إسماعيل، وأسماء أعضاء البعثة.
https://www.deutsche-biographie.de/pnd118602225.html
3. University of Cologne – Africa Explorata: Drei Monate in der libyschen Wüste.
دراسة تعريفية بالرحلة وأهدافها العلمية، وأعضاء البعثة، ودور المصور فيليب رميلي، وتعذر الوصول إلى واحة الكفرة بسبب الكثبان الرملية.
https://hbi.uni-koeln.de/en/books/africa-explorata/details/drei-monate-in-der-libyschen-wueste
4. British Library – Archives and Manuscripts Catalogue.
فهرس المكتبة البريطانية، ويتضمن بيانات الكتاب الأصلي ومساهمات آشرسون وجوردان وزيتل، وتوثيق الصور التي التقطها رميلي، وبيان المجلدات العلمية اللاحقة للبعثة.
https://searcharchives.bl.uk/catalog/032-003229683
5. Poznań Archaeological Museum – The Exploration of the Libyan Desert.
دراسة تاريخية عن استكشاف الصحراء الليبية، تتناول مسار البعثة من الداخلة إلى بحر الرمال العظيم ثم سيوة، والعودة إلى الداخلة والخارجة، وظاهرة الأمطار التي شهدتها البعثة في فبراير 1874.
https://books.ub.uni-heidelberg.de/propylaeum/catalog/view/180/238/76351
ملاحظة توثيقية: تظل معلومة خورشيد أفندي وصفته معاونًا للواحات الداخلة بحاجة إلى مصدر محلي أو وثيقة إدارية مستقلة، ولم أدرجها ضمن الحقائق المثبتة بهذه المراجع.



