
هل يمثل غلاء المعيشة المحرك الأساسي للاحتجاجات الفرنسية؟/3
أم أن الأزمة تتعلق بفقدان الثقة في الحكومة الفرنسية؟
كتب أحمد سمير
من الصعب تفسير الاضطرابات الفرنسية بعامل اقتصادي واحد، لكن الضغوط المعيشية تمثل عنصرًا أساسيًا في فهم البيئة التي تتوسع داخلها الاحتجاجات. فارتفاع تكاليف الحياة، وتراجع القدرة الشرائية لدى بعض الفئات، والقلق بشأن جودة الخدمات العامة، كلها عوامل يمكن أن تتراكم لتخلق شعورًا متزايدًا بأن السياسات الحكومية لا تستجيب لاحتياجات المواطنين.
واللافت أن الاحتجاجات التي شهدتها فرنسا خلال أكتوبر 2026 لم تقتصر على قضية واحدة؛ إذ بدأت بمطالب تتعلق بالتعليم، ثم اتسعت لتشمل تكاليف المعيشة وأوجهًا أخرى من الاستياء السياسي والاجتماعي. وهذا التحول مهم؛ لأنه يكشف أن بعض الاحتجاجات تجاوزت المطالب القطاعية إلى التعبير عن حالة أوسع من عدم الرضا.
لكن هل يعني ذلك أن الأزمة الاقتصادية وحدها تفسر أعمال النهب والتخريب؟
الأوضاع الاقتصادية الصعبة لا تبرر الاعتداء على الممتلكات، كما أن المتورطين في أعمال العنف لا يمثلون بالضرورة جميع المحتجين أو الفئات المتضررة من السياسات الحكومية. ومع ذلك، فإن تجاهل الأسباب الاجتماعية التي تغذي الاحتجاجات قد يجعل السلطات تنجح في احتواء بعض مظاهر العنف، من دون أن تتمكن من منع تكرارها.
وهنا تبرز أزمة الثقة باعتبارها العامل الذي يربط بين الاقتصاد والسياسة والأمن.
فحين يشعر المواطن بأن دخله لا يكفي لتلبية احتياجاته، وأن الخدمات العامة لا تتحسن بالقدر المطلوب، وأن الحكومة لا تقدم إجابات مقنعة عن مستقبله، يصبح أكثر استعدادًا للتشكيك في السياسات القائمة. وإذا اقترن ذلك بانسداد سياسي أو ضعف القدرة على تمرير الإصلاحات، فقد تتحول المطالب المعيشية إلى أزمة سياسية واسعة.
والحكومة الفرنسية مطالبة، في هذه الحالة، بتقديم إجابات عملية، لا بمجرد الخطابات التي تدعو إلى الهدوء أو تؤكد الحزم الأمني.
فإذا كانت السلطة قادرة على نشر قوات إضافية في الشوارع، فهل تستطيع بالقدر نفسه تقديم سياسات اقتصادية واجتماعية تقنع المواطنين بأن أوضاعهم قابلة للتحسن؟
كيف يفاقم العجز المالي والدين العام أزمة الحكومة، ولماذا يصعب عليها تقديم تنازلات اقتصادية لاحتواء الغضب الشعبي؟
هنا تقع إحدى أكثر النقاط حساسية في الأزمة الفرنسية؛ فالحكومة لا تواجه اضطرابات أمنية واجتماعية فحسب، بل تواجهها في ظل ضغوط على المالية العامة وصعوبة التوصل إلى توافق سياسي بشأن الموازنة والإجراءات الاقتصادية المطلوبة.
وتكمن المعضلة في أن احتواء الغضب الشعبي قد يتطلب تقديم مساعدات للفئات المتضررة، أو زيادة الإنفاق على التعليم والخدمات العامة، أو تخفيف بعض الأعباء المعيشية. لكن هذه الخيارات تحتاج إلى موارد مالية، في الوقت الذي تواجه فيه الدولة ضغوطًا مرتبطة بالعجز والدين العام وتكاليف الاقتراض.
وقد أشارت تقارير سياسية واقتصادية نُشرت خلال أكتوبر 2026 إلى أن الأزمة الاجتماعية تتزامن مع صعوبات حكومية في تمرير موازنة تتضمن إجراءات مالية حساسة، في ظل انقسام البرلمان وتراجع هامش المناورة السياسية أمام الحكومة.
وتواجه الحكومة بذلك ثلاثة خيارات صعبة:
الخيار الأول: زيادة الإنفاق الاجتماعي.
قد يساعد هذا المسار في تخفيف الضغوط عن بعض الفئات وتحسين الخدمات العامة، لكنه يفرض على الحكومة تحديد مصادر التمويل، خصوصًا إذا كانت تسعى إلى تقليص العجز. كما أن أي إنفاق إضافي واسع النطاق قد يثير مخاوف بشأن استدامة المالية العامة إذا لم يقترن بإصلاحات واضحة.
الخيار الثاني: الاستمرار في سياسة ضبط الإنفاق.
قد يساعد هذا الخيار في دعم الانضباط المالي على المدى الطويل، لكنه يحمل مخاطر اجتماعية وسياسية إذا أدى إلى تقليص الخدمات أو تحميل الأسر أعباء إضافية. فالإصلاح المالي الذي لا يراعي التوزيع الاجتماعي للتكاليف قد يزيد من حدة الاحتقان بدلًا من احتوائه.
الخيار الثالث: البحث عن تسوية تجمع بين الانضباط المالي والحماية الاجتماعية.
وهذا هو المسار الأكثر تعقيدًا، لكنه قد يكون الأكثر قابلية للاستمرار. إذ يتطلب تحديد أولويات الإنفاق، وحماية الفئات الأكثر تضررًا، وتحسين كفاءة الخدمات العامة، وتجنب الإجراءات التي تفرض الأعباء الأكبر على المواطنين الأقل قدرة على تحملها.
لكن هذا المسار يحتاج أيضًا إلى توافق سياسي، وهو ما لا يمكن افتراض توافره في ظل الانقسامات البرلمانية.
وتزداد صعوبة المشهد عندما ترتفع تكاليف الاقتراض؛ لأن الأسواق المالية تراقب قدرة الدولة على إدارة دينها، بينما يراقب المواطنون قدرة الحكومة على حماية مستويات معيشتهم. وهكذا تجد السلطة نفسها بين ضغطين: ضغط الأسواق المطالبة بالاستقرار المالي، وضغط المجتمع المطالب بحلول ملموسة.
والأخطر أن يتحول العجز المالي إلى مبرر دائم لتأجيل معالجة المشكلات الاجتماعية، في مقابل استخدام الاضطرابات لتبرير المزيد من التشدد الأمني.
إن الأزمة لا تكمن في أن فرنسا تفتقر بالضرورة إلى جميع الأدوات الاقتصادية، بل في أن تكلفة الخيارات المتاحة ارتفعت، وأن كل قرار أصبح يحمل ثمنًا سياسيًا واجتماعيًا.
ويبقى السؤال: هل تستطيع الحكومة تحقيق التوازن بين خفض العجز وحماية المواطنين، أم أن استمرار الضغط المالي سيدفعها إلى قرارات تزيد الغضب الشعبي الذي تحاول احتواءه؟
هل يمكن أن تتحول الاضطرابات الحالية إلى فرصة انتخابية لليمين المتطرف والقوى المعارضة للرئيس إيمانويل ماكرون؟
نعم، يمكن للاضطرابات أن تتحول إلى فرصة سياسية للقوى المعارضة، خصوصًا التي تجعل الأمن والهجرة والهوية الوطنية واستعادة سلطة الدولة محاور رئيسية في خطابها السياسي. لكن ذلك لا يعني أن هذه القوى ستحقق مكاسب انتخابية تلقائية؛ فالأمر يتوقف على تطور الأزمة، ومدى اقتناع الناخبين بقدرة المعارضة على تقديم بدائل عملية، وطبيعة التحالفات التي ستتشكل قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة.
وتأتي هذه التطورات في توقيت بالغ الحساسية، إذ تقترب فرنسا من الانتخابات الرئاسية المقررة في عام 2027، بينما تواجه الرئاسة والحكومة ضغوطًا سياسية متزايدة.
وتشير تحليلات نُشرت خلال أكتوبر إلى أن الاضطرابات قد تعزز موقع القوى الأكثر تشددًا، إذا ترسخ لدى قطاعات من الناخبين انطباع بأن الحكومة فقدت السيطرة على الوضع الأمني أو لم تعد قادرة على معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
وتستطيع المعارضة توظيف الأزمة من خلال ثلاثة مسارات رئيسية:
أولًا: تقديم نفسها باعتبارها البديل القادر على استعادة الأمن.
عندما تنتشر صور النهب والحرائق والاشتباكات، يصبح الأمن أولوية لدى قطاعات واسعة من المواطنين. ويمكن للقوى التي تتبنى خطابًا متشددًا أن تستخدم هذه المشاهد لإثبات أن السياسات القائمة أخفقت في حماية الممتلكات والنظام العام.
ثانيًا: الربط بين الاضطرابات وفشل السياسات الحكومية.
قد تسعى المعارضة إلى تقديم الأحداث باعتبارها نتيجة لتراكم إخفاقات في إدارة الاقتصاد والخدمات العامة والأمن، بما يوسع دائرة النقد الموجه إلى السلطة.
ثالثًا: استثمار الانقسام حول الإجراءات الأمنية.
فبينما يطالب بعض المواطنين بتشديد العقوبات وفرض قيود أكثر صرامة على التجمعات، يخشى آخرون من أن يؤدي توسيع الإجراءات الاستثنائية إلى تقويض الحريات المدنية. وقد تحاول القوى السياسية استثمار هذا الانقسام لتوسيع قواعدها الانتخابية.
لكن هناك نقطة مهمة: استفادة المعارضة من ضعف الحكومة لا تعني بالضرورة امتلاكها حلولًا أكثر فاعلية. فالشعارات التي تعد باستعادة الأمن أو خفض الأعباء الاقتصادية تحتاج إلى برامج قابلة للتنفيذ، خصوصًا أن أزمة فرنسا تجمع بين تحديات مالية واجتماعية وأمنية لا يمكن حلها بقرار واحد.
كما أن استمرار الاضطرابات قد يضر بالقوى السياسية المختلفة إذا ارتبطت في أذهان الناخبين بالفوضى أو غياب الحلول.
لذلك، فإن المعركة الانتخابية لن تدور حول من ينتقد الحكومة بأعلى صوت فحسب، بل حول من يستطيع إقناع الفرنسيين بأنه قادر على حماية الأمن والحريات معًا، وإدارة المالية العامة، وتحسين الأوضاع الاجتماعية.
والسؤال هنا: هل تتحول الأزمة إلى فرصة لليمين المتطرف لتعزيز موقعه قبل انتخابات 2027، أم أن عجز المعارضة عن تقديم حلول متوازنة سيحد من قدرتها على استثمار غضب الشارع؟
هل تهدد الإجراءات الأمنية الجديدة الحريات العامة في فرنسا، أم أنها ضرورة لحماية المجتمع من الانفلات؟
هذه واحدة من أكثر القضايا حساسية في المشهد الفرنسي؛ لأن الدولة مطالبة بحماية المواطنين وممتلكاتهم، لكنها مطالبة أيضًا باحترام الحقوق والحريات التي تشكل أساس النظام الديمقراطي.
ومن الناحية القانونية، لا يعني الحق في التظاهر السلمي السماح بأعمال التخريب والاعتداء، كما أن مواجهة الجرائم لا تمنح السلطات تفويضًا مفتوحًا لفرض قيود غير محددة على حركة المواطنين أو تجمعاتهم.
وقد أثارت قرارات حظر التجوال ومنع بعض التجمعات انتقادات من سياسيين ومحامين ومدافعين عن الحريات، خصوصًا فيما يتعلق بضرورة تناسب القيود مع المخاطر الفعلية، وإتاحة المجال للطعن القضائي فيها. وفي 28 أكتوبر 2026، تناولت تقارير صحفية تحديات قانونية تتعلق بتوقيت نشر قرارات الحظر وإمكانية مراجعتها أمام القضاء الإداري.
وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات:
الإجراءات الأمنية الضرورية: وهي التدابير المحددة التي تهدف إلى منع خطر حقيقي ومباشر وحماية السكان والممتلكات.
القيود الاستثنائية المفرطة: وهي التدابير التي قد تتجاوز الضرورة الأمنية أو تُفرض دون تسبيب كافٍ أو رقابة فعالة.
المساءلة القضائية: وهي الضمانة التي تسمح بمراجعة القرارات الحكومية والتأكد من توافقها مع القانون.
ولا يمكن تقييم حظر التجوال بمجرد كونه إجراءً متشددًا أو مرنًا؛ بل ينبغي النظر إلى نطاقه ومدته وأسبابه، وما إذا كانت هناك بدائل أقل تقييدًا للحقوق تحقق الهدف نفسه.
كما أن استمرار القيود لفترات طويلة قد يخلق توترًا إضافيًا إذا شعر المواطنون بأن التدابير الأمنية تُستخدم لمعالجة الاحتجاجات الاجتماعية بدلًا من مواجهة أعمال العنف المحددة.
وفي المقابل، فإن التساهل مع أعمال النهب والاعتداء قد يقوض ثقة المواطنين في قدرة الدولة على حمايتهم.
لذلك، فإن الاختبار الديمقراطي الحقيقي لا يتمثل في الاختيار بين الأمن والحرية باعتبارهما نقيضين، بل في قدرة الدولة على توفير الأمن ضمن إطار قانوني يحمي الحقوق.
فهل تنجح فرنسا في استعادة النظام العام مع الحفاظ على الحريات، أم أن تصاعد الضغوط سيدفع الحكومة إلى إجراءات توسع دائرة المواجهة بدلًا من احتوائها؟
ما التداعيات الاقتصادية للاضطرابات على الشركات والسياحة والاستثمار، وهل يمكن أن تزيد الأزمة من أعباء الدولة المالية؟
لا تتوقف تكلفة الاضطرابات عند الخسائر المباشرة الناتجة عن إحراق الممتلكات أو نهب المتاجر أو إتلاف المنشآت العامة، بل تمتد إلى النشاط الاقتصادي والثقة في استقرار البيئة التجارية والسياحية.
فحين تتعرض المتاجر للتخريب، يواجه أصحابها تكاليف الإصلاح وتعطل النشاط، وقد تتراجع الإيرادات وتتزايد احتياجات التأمين والتعويض. وإذا تكررت الأحداث، فقد تتأثر قرارات فتح المنشآت أو تنظيم الفعاليات أو استقبال الزوار في المناطق الأكثر عرضة للاضطرابات.
وفي 19 أكتوبر 2026، أعلنت الحكومة الفرنسية أن نحو ثلاثة آلاف متجر على الأقل تعرضت لأضرار أو عمليات نهب خلال موجة العنف، كما تحدثت عن إجراءات لمساعدة الأنشطة المتضررة، شملت ترتيبات للدعم وتأجيل بعض الأعباء المالية والاجتماعية.
وتكشف هذه التطورات عن مفارقة اقتصادية واضحة: فالحكومة التي تواجه ضغوطًا لتقليص العجز تجد نفسها مضطرة إلى تخصيص موارد إضافية لمعالجة الأضرار، في الوقت الذي تحتاج فيه إلى تمويل الخدمات العامة وتخفيف بعض الضغوط الاجتماعية.
وتظهر التداعيات المحتملة في أربعة مجالات:
تراجع النشاط التجاري مؤقتًا:
قد تضطر المتاجر إلى الإغلاق أو تقليص ساعات العمل، بما يؤثر في الإيرادات وأجور العاملين واستقرار الشركات الصغيرة.
الضغوط على قطاع السياحة والفعاليات:
يمكن للمخاوف الأمنية وإغلاق بعض المواقع الثقافية وإلغاء الفعاليات أن تؤثر في حركة الزوار والحجوزات والإنفاق السياحي، خصوصًا إذا استمرت حالة عدم اليقين.
ارتفاع تكلفة حماية المنشآت:
قد تتحمل الشركات نفقات إضافية مرتبطة بالتأمين والحراسة والإصلاحات، في حين تتحمل الدولة تكاليف انتشار قوات الأمن وإدارة الأزمة.

تراجع الثقة إذا طال أمد الاضطرابات:
لا يعني وقوع اضطرابات مؤقتة أن الاستثمار سينهار أو أن الاقتصاد سيدخل أزمة حتمية، لكن استمرار عدم اليقين قد يؤثر في قرارات الشركات والمستثمرين، خاصة إذا تزامن مع ضغوط مالية وسياسية قائمة.
ومن الضروري هنا عدم المبالغة في تقدير الخسائر طويلة الأجل دون بيانات اقتصادية مؤكدة. فالتأثير النهائي يعتمد على مدة الاضطرابات واتساعها، وسرعة عودة النشاط إلى طبيعته، ومدى قدرة الدولة على تعويض المتضررين واستعادة الثقة.
ومع ذلك، فإن الخطر واضح: إذا تكررت الاضطرابات، فقد تتحول الخسائر التجارية والأمنية إلى عبء إضافي على المالية العامة، بما يقلل الموارد المتاحة لمعالجة الأسباب الاجتماعية التي أسهمت في تصاعد الاحتجاجات.
وهكذا قد تجد فرنسا نفسها أمام حلقة متبادلة من الضغوط: اضطرابات تزيد الأعباء المالية، وأعباء مالية تقلل هامش المناورة الاجتماعية، واحتقان اجتماعي قد يغذي اضطرابات جديدة.
فهل تستطيع الحكومة كسر هذه الحلقة من خلال استعادة الاستقرار وتقديم دعم فعال للمتضررين، أم أن الخسائر الاقتصادية ستضيف أزمة جديدة إلى قائمة الأزمات القائمة؟
ما السيناريوات المتوقعة للأزمة الفرنسية خلال الفترة المقبلة، وما المؤشرات التي ستحدد اتجاهها؟
من الصعب الجزم بمسار واحد للأزمة، لكن يمكن تحديد ثلاثة سيناريوهات رئيسية، تتوقف احتمالات تحققها على تطور الاحتجاجات، وفاعلية الإجراءات الأمنية، وقدرة الحكومة على معالجة المطالب الاجتماعية، وطبيعة الاستجابة السياسية.
السيناريو الأول: احتواء أمني سريع وتهدئة تدريجية
في هذا السيناريو، تنجح السلطات في الحد من أعمال النهب والتخريب عبر الانتشار الأمني الموجه، والتدخل السريع، وملاحقة المتورطين، مع تراجع حدة المواجهات في المناطق الأكثر توترًا.
لكن نجاح هذا المسار لا يعني بالضرورة انتهاء الأزمة الاجتماعية. فعودة الهدوء إلى الشوارع قد تتزامن مع استمرار الاحتجاجات السلمية أو المطالب المتعلقة بالتعليم وتكاليف المعيشة.
ولذلك، فإن المؤشر الأهم ليس انخفاض عدد الحوادث الأمنية وحده، بل قدرة الحكومة على منع عودة العنف مع فتح مسار سياسي واجتماعي لمعالجة المطالب المطروحة.
السيناريو الثاني: تكرار الاضطرابات واتساع المواجهة
قد يتعثر الاحتواء إذا استمرت الضغوط المعيشية، أو توسعت الاحتجاجات، أو تكررت أعمال التخريب في مدن ومناطق جديدة.
وفي هذه الحالة، قد تلجأ الحكومة إلى تعزيز الانتشار الأمني وتوسيع نطاق القيود على التجمعات، وهو ما قد يساعد على احتواء بعض الحوادث، لكنه قد يرفع في الوقت نفسه مستوى التوتر بين السلطات والمحتجين إذا لم يُنفذ ضمن ضوابط قانونية واضحة.
كما يمكن أن تتزايد الضغوط على الحكومة من جهتين: معارضون يتهمونها بالتساهل في فرض الأمن، وآخرون يتهمونها بالمبالغة في تقييد الحريات.
ويصبح هذا السيناريو أكثر خطورة إذا تزامن مع تعثر الموازنة وتصاعد الانقسامات السياسية.
السيناريو الثالث: تحول الأزمة إلى مواجهة سياسية وانتخابية مفتوحة
في هذا السيناريو، تتجاوز الأزمة نطاق الاحتجاجات الميدانية لتصبح محورًا للصراع السياسي مع اقتراب انتخابات 2027.
وقد تسعى القوى المعارضة إلى استثمار ضعف الحكومة، بينما تحاول السلطة إثبات قدرتها على استعادة الأمن والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي.
لكن نجاح أي طرف في استثمار الأزمة انتخابيًا سيظل مرتبطًا بقدرته على تقديم حلول مقنعة، وليس فقط بقدرته على توجيه الانتقادات.
وهنا يصبح مستقبل الأزمة مرتبطًا بثلاثة مؤشرات رئيسية:
مدى قدرة السلطات على منع تكرار أعمال العنف والنهب دون التوسع غير الضروري في القيود الاستثنائية.
مدى استعداد الحكومة لتقديم حلول اجتماعية واقتصادية قابلة للتنفيذ في ظل ضغوط العجز والدين العام.
مدى قدرة المؤسسات السياسية على تجاوز الانقسام وتوفير مساحة للتفاوض حول الموازنة والخدمات العامة والإصلاحات المطلوبة.
والسؤال الذي يفرض نفسه: هل ستكون الأسابيع المقبلة بداية لاستعادة الاستقرار، أم أن الاضطرابات ستتحول إلى أزمة ممتدة تعيد رسم موازين القوى السياسية في فرنسا قبل انتخابات 2027؟
هل الانتخابات الرئاسية القادمة هي ما يخشاه لوكورنو حقاً عندما تحدث عن “شبكة غامضة” تريد “إعادة النظر في الجدول الزمني”؟
“الشبكة الغامضة” و”الجدول الزمني للانتخابات”
لوكورنو تحدث عن “شبكة غامضة يمكن أن تتحرك، بل وقد تسعى لإعادة النظر في الجدول الزمني للانتخابات الرئاسية أو حتى في إجرائها”.هذا التصريح لا يخلو من توظيف سياسي: تحويل الاحتجاجات من مطالب اجتماعية (غلاء معيشة، تعليم، خدمات) إلى “مؤامرة” تستهدف الديمقراطية الفرنسية. بهذا التحويل، تصبح الحكومة ضحية لا مسؤولة، ويصبح الحظر الأمني ضرورة لحماية الانتخابات لا لقمع الغاضبين. لكن السؤال الذي يتجنبه لوكورنو: لماذا يثق المواطن الفرنسي بحماية الانتخابات من “شبكة غامضة”، بينما لم تُحمَ المتاجر من ناهبين معروفين؟
فرنسا أمام اختبار الدولة والمجتمع
إن الأزمة التي تواجهها فرنسا ليست مجرد مواجهة بين الشرطة ومجموعات تمارس العنف، ولا يمكن اختزالها في مشاهد النهب والتخريب التي هزت عددًا من المدن. إنها اختبار حقيقي لقدرة الدولة على الجمع بين الأمن والاستقرار الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، في لحظة تواجه فيها الحكومة ضغوطًا مالية وسياسية تقلص هامش تحركها.
لقد أظهرت التطورات الأخيرة أن الانتشار الأمني المكثف وحظر التجوال الجزئي قد يكونان ضروريين لاحتواء الخطر المباشر، لكنهما لا يكفيان وحدهما لإنهاء أزمة تتداخل فيها المطالب المعيشية مع الغضب السياسي والقلق بشأن الخدمات العامة.
وفي المقابل، فإن الضغوط الاقتصادية لا تمنح أي طرف مبررًا للاعتداء على الممتلكات أو تعريض حياة المواطنين للخطر. فحماية الحق في الاحتجاج السلمي يجب أن تترافق مع تطبيق القانون على المتورطين في أعمال العنف، دون خلط بين المحتجين السلميين ومن يرتكبون جرائم التخريب والنهب.
لكن المسؤولية الحكومية لا تنتهي عند ملاحقة المتورطين، بل تبدأ أيضًا من مراجعة الاستعدادات الأمنية، ومحاسبة المقصرين وفق القانون، وتقديم تفسير واضح للرأي العام بشأن أوجه الخلل التي سمحت بتفاقم الأحداث.
أما اقتصاديًا، فإن الحكومة تواجه معادلة شديدة الصعوبة؛ إذ تحتاج إلى دعم المتضررين وتحسين الخدمات العامة والاستجابة للضغوط المعيشية، بينما تسعى إلى ضبط العجز وإدارة الدين العام. وإذا عجزت عن بناء توازن مقنع بين هذه الأولويات، فقد تجد نفسها أمام أزمة تتجدد كلما هدأت موجة احتجاجات.
وسياسيًا، لا يمكن تجاهل أن هذه التطورات تأتي قبل انتخابات 2027، بما يمنح القوى المعارضة فرصة لاستثمار حالة السخط العام. لكن المكاسب الانتخابية لن تكون مضمونة لأي طرف ما لم يستطع تقديم بدائل واقعية للأمن والاقتصاد والخدمات العامة.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه فرنسا ليس اضطراب الشوارع في حد ذاته، بل أن يتحول هذا الاضطراب إلى دليل دائم في نظر المواطنين على أن الدولة قادرة على فرض القيود، لكنها عاجزة عن تقديم الحلول.
فهل تنجح الحكومة الفرنسية في تحويل الأزمة إلى نقطة انطلاق لإصلاح أمني واجتماعي واقتصادي يعيد الثقة بمؤسسات الدولة، أم أن ضيق الخيارات المالية والانقسام السياسي سيجعلان حظر التجوال مجرد هدنة مؤقتة تسبق انفجارًا اجتماعيًا أشد تعقيدًا؟



