فرنسا بين الحرائق والديون… الحكومة تطارد الظلال الأمنية/ 1

عندما تلتقي ألسنة اللهب بعجز الموازنة.. الجمهورية الخامسة بين مطرقة الشغب الصيفي ومقصلة التقشف المالي

كتب أحمد سمير
تشهد الجمهورية الفرنسية الخامسة حالة من الانكشاف المزدوج الذي يضع شرعيتها وهيبتها التاريخية على المحك لم تعد المشاهد المشتعلة في الشوارع الفرنسية مجرد جولة تقليدية من جولات الغضب الاجتماعي، بل تحولت إلى تعبير صارخ عن فشل بنيوي في منظومة إدارة الدولة، إن اللجوء الاضطراري والمذعور إلى فرض حظر تجوال جزئي ومحلي في عدد من المدن والمناطق، عقب شلل أمني،واضطرابات ليلية رافقتها أعمال نهب واعتداءات واسعة، يمثل إقراراً ضمنياً بعجز الجهاز الأمني عن حماية الفضاء العام وضمان الاستقرار،لم تعد فرنسا جمهورية الأنوار، بل جمهورية المتاريس. ما حدث في يومي 17-18 أكتوبر الجاري،لم يكن مجرد احتجاج على غلاء المعيشة، بل سقوط مدوٍ لهيبة الدولة حكومة تطلب من المحافظين فرض حظر تجول جزئي من الثامنة مساء حتى السادسة صباحا في ليل ودواي ودينان وواتيني وباريس ، رئيس يعترف بـ “إخفاقات في الاستعداد الأمني”،ووزير داخلية يعترف أن الدولة “فقدت السيطرة” في مدن كبرى.
المشهد عبثي: متجر BHV التاريخي في قلب باريس يُكسر ويُنهب، واجهات الشانزليزيه تُغطى بألواح خشبية، واللوفر يُغلق. هذه ليست أزمة أمنية، هذه أزمة نظام. حكومة سيباستيان لوكورنو التي جاءت لترمم المالية العامة تجد نفسها ترمم واجهات المتاجر، أكثر من نصف مليون متظاهر خرجوا في 17 أكتوبر، وتحولت أجزاء من المسيرات إلى نهب منظم وإحراق مبانٍ عامة ومتاجر فاخرة، حتى احترقت دار بلدية ليموج التاريخية وانهار برجها. أكثر من 2400 معتقل، نحو ألف شرطي مصاب، وآلاف المحال المتضررة،وزير الداخلية يعترف بأن الشرطة «فقدت السيطرة» في بعض المدن، ورؤساء بلديات باريس وليون ومرسيليا يتهمون الدولة بالإهمال حظر تجول جزئي ومحلي في مناطق محددة من باريس وليل ونيس وليون ومرسيليا.
لكن هذا الرد الأمني يأتي في لحظة لا تملك فيها الحكومة هامشاً مالياً حقيقياً. الدين العام يقترب من 119% من الناتج، والعجز يتجاوز 5%، وعوائد السندات الفرنسية عند أعلى مستوياتها منذ أكثر من عشرين عاماً. أي قرار «اجتماعي» يهدد برفع العجز أكثر، وأي تقشف يهدد بمزيد من الشارع. الملف الأمني والعجز والدين لم يعودا منفصلين؛ هما الآن وجهان لأزمة واحدة تجعل أي قرار لا يحظى بقبول اجتماعي واسع شبه مستحيل،والسؤال ليس “هل ستفرض حالة الطوارئ؟”، بل “أي أزمة ستُستنزف أولاً: الشرعية أم الخزينة؟”


المشكلة الحقيقية أن الحكومة الفرنسية تواجه معادلة شديدة التعقيد: كيف تستعيد هيبة الدولة من دون أن تتحول الإجراءات الأمنية إلى وقود إضافي للغضب الشعبي؟ وكيف تخفف الضغوط المعيشية في وقت تواجه فيه المالية العامة أزمة عجز ودين، وبرلمانًا منقسمًا يجعل تمرير القرارات الصعبة أكثر تعقيدًا؟
إن اختزال الأزمة في مجموعات تخريبية أو اتهام أطراف سياسية بتأجيج الشارع قد يفسر جانبًا من المشهد، لكنه لا يقدم إجابة كافية عن الأسباب التي دفعت الاحتجاجات إلى الاتساع. فحين تتداخل المخاوف الاقتصادية مع الشعور بتراجع الخدمات العامة وضعف الاستجابة السياسية، يصبح التعامل الأمني وحده أقرب إلى إدارة أعراض الأزمة منه إلى معالجة جذورها.


والأخطر أن هذه التطورات تأتي في مرحلة سياسية حساسة، مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي الفرنسي المقرر في عام 2027، بما يمنح الأزمة أبعادًا انتخابية تتجاوز حدود الأمن الداخلي. وهنا لا يصبح السؤال متعلقًا فقط بقدرة الحكومة على إعادة الهدوء إلى الشوارع، بل بقدرتها على استعادة ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة قبل أن تتحول الأزمة إلى مكسب انتخابي للقوى الأكثر تشددًا.
كيف تمكنت أعمال الشغب والنهب من الانتشار بهذه السرعة رغم التحذيرات الأمنية المسبقة؟ وهل فشلت الاستخبارات الفرنسية في قراءة المشهد الاجتماعي؟

الانتشار السريع لأعمال الشغب.. قراءة في الإخفاق الأمني والاستخباراتي
لم تكن أعمال الشغب والنهب التي اجتاحت عدة مناطق فرنسية وليدة اللحظة، بل جاءت نتيجة تراكم احتقان اجتماعي طويل الأمد في الأحياء الطرفية والمدن ذات الكثافة السكانية العالية التي تعاني من البطالة والفقر وتدني الخدمات العامة. غير أن المفارقة تكمن في أن الأجهزة الأمنية الفرنسية، رغم حداثة تجهيزاتها وخبرتها الطويلة في إدارة الأزمات، بدت غير مستعدة لهذا السيناريو.
الانتقادات الموجهة للاستعدادات الأمنية تركز على عدة محاور: أولها، غياب استراتيجية استباقية تعتمد على الاستخبارات الميدانية والإنذار المبكر، حيث اعتمدت الأجهزة على مراقبة المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي دون بناء شبكات تواصل حقيقية مع قادة الرأي المحليين وشباب الأحياء. ثانيها، التراجع الملحوظ في عدد أفراد الشرطة في الميدان نتيجة سياسات التقشف التي طالت ميزانية الداخلية في السنوات الأخيرة، مما أضعف القدرة على الانتشار السريع والاحتواء المبكر. ثالثها، غياب التنسيق الفعال بين الشرطة الوطنية والبلديات المحلية في تبادل المعلومات الاستخباراتية حول البؤر الساخنة.

إلى أي مدى يمكن للحكومة الفرنسية التوفيق بين متطلبات الأمن المتصاعدة وضرورات التقشف المالي التي تفرضها بروكسل وأسواق المال؟
المعادلة المستحيلة بين الأمن والتقشف المالي.

هنا تكمن العقدة الأصعب في الأزمة الفرنسية الحالية. فالحكومة مطالبة من جهة بتعزيز التواجد الأمني وتمويل عمليات إضافية لضبط النظام، وهو ما يتطلب ميزانيات استثنائية. ومن جهة أخرى، تواجه ضغوطاً متزايدة من المفوضية الأوروبية وأسواق السندات لخفض العجز العام الذي تجاوز الحدود المسموح بها في معاهدة ماستريخت (3% من الناتج المحلي الإجمالي).
الأرقام تتحدث بوضوح: الدين العام الفرنسي يتجاوز 3.1 تريليون يورو، أي ما يعادل 110% من الناتج المحلي الإجمالي، والعجز السنوي يقترب من 5.5%، وهو من بين الأعلى في منطقة اليورو. هذا الوضع يجعل أي إنفاق إضافي على الملف الأمني يفتح الباب أمام انتقادات حادة من المؤسسات المالية الدولية ووكالات التصنيف الائتماني، التي قد تخفض تصنيف فرنسا السيادي، مما يرفع تكلفة الاقتراض ويضاعف الأزمة.
الحكومة الفرنسية إذن أمام معادلة ثلاثية مستحيلة تقريباً: تمويل الأمن الإضافي، وتمويل البرامج الاجتماعية لتهدئة الاحتقان، وفي الوقت نفسه خفض العجز والدين. هذه المعادلة تفرض خيارات مؤلمة قد لا تحظى بقبول اجتماعي واضح، خاصة في ظل رفض النقابات والأحزاب المعارضة لأي إجراءات تقشفية جديدة.
كيف أدت الاختلالات الأمنية الميدانية إلى تصاعد عمليات النهب، ولماذا فشلت الإستراتيجية الوقائية للحكومة؟

الإخفاق الأمني وديناميكيات الانفلات الميداني
تكشف أعمال الشغب والنهب المنتشرة عن ثغرات عميقة في جاهزية الأجهزة الأمنية وإستراتيجيات الانتشار الميداني. لقد اعتمدت السلطات لسنوات على نمط استجابة أمني محدد أثبت عدم ملاءمته للأساليب الجديدة التي تتبعها مجموعات المحتجين والشباب الغاضب، المعتمدة على اللامركزية والتحرك السريع والاستفادة من شبكات التواصل الاجتماعي لتحديد الأهداف. هذا الإرباك الأمني أتاح مساحات زمنية ومكانية مكّنت من استهداف الممتلكات العامة والخاصة وتخريب المتاجر قبل وصول التعزيزات. إن فرض حظر التجوال المحلي والجزئي جاء كحجة أمنية لمعالجة نقص الموارد البشرية والسيطرة على الحركة في نقاط التوتر، ولكنه في الوقت نفسه يكشف عن تراجع الدولة من موقف فرض النظام بالقانون إلى موقف تقييد حرية الجميع لاحتواء العنف.
إلى أي مدى يكبّل ملف العجز والدين العام قدرة الحكومة على التهدئة وتقديم حزم دعم اجتماعي؟

تقاطع الأزمة الأمنية مع معضلة العجز والدين العام
تستند الأزمة الراهنة إلى معضلة هيكلية في الاقتصاد الفرنسي؛ إذ بلغت مستويات الدين العام والعجز في الموازنة حدوداً حرجة تعوق اتخاذ أي قرارات ذات طابع استرضائي. في الأزمات الاجتماعية السابقة، كان الخروج من النفق يتم عبر ضخ سيولة مالية أو تقديم إعانات خافضة للتوتر؛ إلا أن الحكومة اليوم تقف مكبلة بقواعد الانضباط المالي التي تفرضها المفوضية الأوروبية وضغوط أسواق المال العالمية. كل يورو يتطلبه الإنفاق الأمني الطارئ أو إعادة بناء ما تم تخريبه يُضاف إلى فاتورة الدين الشاقة، بينما يتطلب خفض العجز فرض سياسات تقشفية ورفع الدعم أو ضبط الإنفاق الحكومي،وهي تماماً القرارات المرفوضة شعبياً والتي تشعل الشارع. هذا التقاطع المخيف يقلص الخيارات أمام صناع القرار إلى أدنى حد ممكن.
حظر التجول الجزئي حل أمني أم اعتراف بالفشل؟
حظر التجول.. مسكن موضعي لمرض مزمن:
الحكومة استبعدت حظراً شاملاً في باريس لكنها طلبت حظراً محلياً وجزئياً. الهدف المعلن “حماية الأنشطة التجارية”. لكن في الواقع، هو تكتيك إدارة الأزمة بالقطعة. فرض الحظر في 4 مدن شمالية لليلتين فقط ثم تمديده لأكثر من 12 مدينة يكشف أن الدولة لا تملك استراتيجية، بل تطفئ حرائق. رئيس الوزراء نفسه وصف الفوضى بأنها “محدودة جداً في المراكز الحضرية” وهو توصيف يقلل من حجم الكارثة لتبرير عدم إعلان حالة الطوارئ.


ما علاقة أعمال النهب بمجموعات اليسار المتطرف كما تتهم الحكومة؟
شماعة اليسار المتطرف:
لوكورنو اتهم مجموعات من اليسار المتطرف بالسعي لإثارة اضطرابات تمتد حتى الانتخابات الرئاسية. وهو خطاب كلاسيكي لنزع الشرعية عن الغضب الاجتماعي. تقارير فرنسية أشارت إلى اختراق متشددين يساريين للمظاهرات. لكن الحقيقة أن النهب لم يكن أيديولوجياً، كان جريمة فرص: شباب من ضواحي منهكة، يرون الدولة تفرض 54 مليار يورو إجراءات تقشفية لعام 2027 بينما عجزها 5.4% من الناتج ودينها 119.3% في 2026 وسيصل 121.7% في 2027 ، بإجمالي 3.6 تريليون يورو.
لماذا فشلت الاستعدادات الأمنية رغم نشر نحو 60 ألف عنصر؟
الفشل لم يكن في العدد بل في العقل
نشر 60 ألف عنصر لم يكن كافياً، لكن المقارنة الأكثر دلالة هي أن فرنسا حشدت 80 ألفاً في ذروة “السترات الصفراء” و89 ألفاً في تحركات “لنغلق كل شيء”.المشكلة ليست نقص الأفراد، بل أن العقيدة الأمنية الفرنسية ، كما اعترف وزير العدل ، “تتمتع بأعلى درجات الكفاءة في مكافحة الإرهاب الإسلامي والجريمة المنظمة”، لكنها “أثبتت عجزاً واضحاً عن التعامل الاستباقي مع خلايا أقصى اليسار”.بمعنى آخر: الدولة بنت قدراتها لمواجهة عدو تعرفه، وعندما واجهت عدواً غير تقليدي ، طلاباً وغاضبين من غلاء المعيشة يتحولون إلى ناهبين ، انهار نموذجها الاستخباراتي.
من يتحمل مسؤولية “القصور الاستخباراتي”: وزارة الداخلية أم أجهزة الاستخبارات أم الإليزيه؟
المسؤولية توزعت… لكن أحداً لم يدفع الثمن
وزير الداخلية أقر بـ”ثغرات واضحة في استباق الأحداث” وقدم استقالته، فرفضها ماكرون.وزير العدل تحدث عن “خلل جوهري في جمع المعلومات الاستخباراتية”.الرئيس نفسه “اعترف بحدوث إخفاقات في التوقع والمعلومات” لكنه تمسك بوزيره لأنه “يجب أن يبقى شخص ما مسؤولاً عن حفظ النظام”.النتيجة: الجميع يعترف بالخطأ، ولا أحد يتحمل تبعاته السياسية. هذا ليس “تحملاً للمسؤولية”، بل توزيع منظم للإفلات منها.
كيف يمكن فرض حظر تجوال “جزئي” دون أن يتحول إلى إعلان ضمني بفقدان السيطرة على المدن الكبرى؟
الحظر الجزئي اعتراف مموّه بالعجز
لجأت باريس إلى حظر تجوال من 23:00 إلى 06:00 في “ساحة الجمهورية” ومنطقة “لي هال” فقط، بينما فُرض في ليل ومرسيليا ونيس وبوردو من 20:00 أو 21:00.التفاوت في التوقيت والرقعة الجغرافية لا يعكس “مرونة تكتيكية”، بل يعكس غياب رؤية شاملة: كل محافظ يقرر وفق ما يراه، والحكومة تكتفي بـ”تمكين” البلديات من فرض الحظر “حيث تحتاج”.هذا ليس حكماً، بل تفريغ للمسؤولية المركزية في لحظة أزمة وطنية.
ما الذي يجعل حظر التجوال “محدوداً” في باريس وليل ومرسيليا، بينما الاحتجاجات تنتقل إلى مدن جديدة؟
الحظر يلاحق الاحتجاجات… والاحتجاجات تسبق الحظر
الاحتجاجات بدأت “طلابية” للمطالبة بظروف مدرسية أفضل، ثم اتسعت لتشمل غلاء المعيشة والخدمات العامة، وانضمت إليها النقابات.حظر التجوال في باريس وليل ومرسيليا ونيس لا يوقف انتقال العدوى إلى مدن جديدة، بل يخلق تبايناً يُشعر المدن غير المشمولة بأنها “مهملة” أو “آمنة” ، وهو تباين قد يتحول إلى وقود جديد للغضب.
فرنسا 2026 ليست دولة تواجه اضطرابات؛ إنها دولة تكتشف، في آن واحد، أن نموذجها الأمني لم يعد صالحاً وأن نموذجها المالي لم يعد محتملاً. حظر التجوال “الجزئي” ليس إجراءً أمنياً بقدر ما هو إدارة لأزمة شرعية: الحكومة تطلب من المواطن أن يبقى في بيته لأنها لا تستطيع ضمان سلامته في الشارع، بينما تعترف بأنها لا تملك المال لتعويضه إن خرج. والاعتراف بـ”فقدان السيطرة” لم يُترجم إلى استقالات أو محاسبة، بل إلى “مراجعة شفافة” و”خطة عمل جديدة” – أي إلى مزيد من الكلام في وقت تتراجع فيه القدرة على الفعل. بين دين يقترب من 120% وشوارع تخرج عن السيطرة، لم يعد السؤال الفرنسي: “كيف نستعيد النظام؟”، بل: أي النظامين سينهار أولاً النظام العام أم النظام المالي؟

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى