خطر الحرب الروسية- الأوكرانية على أوروبا… هل تتحول المواجهة إلى تهديد مباشر للأمن الأوروبي؟

واشنطن بين دعم كييف ومحاولات التفاوض مع موسكو.. هل تسهم السياسة الأميركية في إطالة الحرب أم في منع سقوط أوكرانيا وفرض تسوية بشروط جديدة؟

كتب أحمد سمير
لم تعد الحرب الروسية، الأوكرانية مجرد صراع إقليمي على النفوذ في شرق أوروبا، بل تحولت بعد أكثر من ثلاث سنوات إلى أزمة بنيوية تهدد المشروع الأوروبي نفسه.
القارة التي بنت مجدها بعد الحرب العالمية الثانية على فكرة السلام الدائم والاعتماد المتبادل، وجدت نفسها فجأة أمام عودة الجيوش، وعودة الخنادق، وعودة خطر نووي كان يُعتقد أنه انتهى مع الحرب الباردة.
فبعد مرور أكثر من أربع سنوات على اندلاع الحرب الروسية،الأوكرانية، لم يعد السؤال يدور حول “متى تنتهي الحرب؟” بل حول “إلى أين تقود أوروبا؟”. فوفقًا لتحليل مؤسسة RAND تُعد هذه الحرب أكبر تهديد للأمن الأوروبي منذ أزمة برلين قبل أكثر من ستين عامًا، لكن الأخطر من الحرب نفسها هو ما قد يليها؛ إذ يُحذر التحليل من أن وقف إطلاق النار قد لا يجلب السلام، بل قد يفتح الباب أمام حقبة أكثر خطورة تتسم بإعادة التسلح وانعدام التواصل، في خضم هذا المشهد.
الخطر ليس مجرد امتداد عسكري مباشر فمعظم التقييمات الاستخباراتية ترى احتماله منخفضاً حالياً ، بل في الاستنزاف الطويل الأمد الذي يرهق الاقتصاد الأوروبي، يعيد تشكيل الأمن الطاقوي، ويختبر تماسك الناتو، في هذا السياق، يبرز دور الولايات المتحدة كلاعب مركزي: من دعم عسكري واستخباراتي عميق ساهم في صمود أوكرانيا، إلى تحولات في السياسة الأمريكية بعد 2025 أثرت على مسار الحرب ومدتها. التحليل يتطلب النظر إلى الحقائق بعيداً عن الروايات المطلقة: روسيا بادرت بالعدوان، وأوروبا دفعت ثمناً باهظاً، وأمريكا لعبت دوراً حاسماً في استمرار القدرة الأوكرانية على المقاومة دون الدخول المباشر في حرب شاملة.
هذا وقد حذر الاتحاد الأوروبي من أن استمرار الضربات الروسية، بما فيها الهجمات القريبة من الحدود البولندية، يمثل تهديداً متزايداً للأمن الأوروبي. كما ترى الناتو أن الحرب تمثل أخطر تهديد للأمن الأوروبي الأطلسي منذ عقود.
لكن السؤال الأكثر تعقيداً يتعلق بالدور الأميركي. فواشنطن ليست مجرد داعم عسكري لكييف؛ فهي تمتلك تأثيراً كبيراً في مسار التسليح والضغط الدبلوماسي والمفاوضات. وفي سبتمبر 2026 عادت الولايات المتحدة إلى محاولة تحريك المفاوضات بين موسكو وكييف بعد تعثر طويل، بينما لم تؤدِّ الجهود الأخيرة حتى الآن إلى اختراق حاسم.
تقف الولايات المتحدة في موقع مزدوج: فهي المُموّل الأكبر لكييف، وفي الوقت نفسه اللاعب الذي يتحكم في “صنبور” الدعم العسكري بحسابات دقيقة، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول حقيقة دورها في استمرار الحرب، وما إذا كان استمرارها يخدم مصالح أوروبا الاستراتيجية أم يُعمّق هشاشتها.
خطورة الوضع الراهن لا تكمن فقط في نيران المدفعية والمعارك الميدانية، بل في عمق التحولات الجيوسياسية التي حوّلت أوروبا من قطب اقتصادي عالمي إلى خصر أمني خاضع لارتهانات الطاقة وللإملاءات الأطلسية، مما يطرح علامات استفهام حول المستقبل الجيوستراتيجي للاتحاد الأوروبي وسط هذه اللعبة الجيوسياسية الممتدة.
الخطر ليس مجرد امتداد عسكري مباشر ، فمعظم التقييمات الاستخباراتية ترى احتماله منخفضاً حالياً ، بل في الاستنزاف الطويل الأمد الذي يرهق الاقتصاد الأوروبي، يعيد تشكيل الأمن الطاقوي، ويختبر تماسك الناتو. في هذا السياق، يبرز دور الولايات المتحدة كلاعب مركزي: من دعم عسكري واستخباراتي عميق ساهم في صمود أوكرانيا، إلى تحولات في السياسة الأمريكية بعد 2025 أثرت على مسار الحرب ومدتها. التحليل يتطلب النظر إلى الحقائق بعيداً عن الروايات المطلقة: روسيا بادرت بالعدوان، وأوروبا دفعت ثمناً باهظاً، وأمريكا لعبت دوراً حاسماً في استمرار القدرة الأوكرانية على المقاومة دون الدخول المباشر في حرب شاملة.
أوروبا اليوم تدفع ثمن الحرب نقداً: 6 ملايين لاجئ أوكراني، تضخم غير مسبوق، صناعة ألمانية تختنق بعد قطع الغاز الروسي الرخيص، ومزارعون فرنسيون وبولنديون يحتجون، ويمين متطرف يصعد في كل انتخابات مستغلاً شعار “أوروبا أولاً”. والأخطر، أن القرار الأوروبي لم يعد في بروكسل أو برلين أو باريس، بل يُصنع في واشنطن.
وهنا يكمن السؤال المركزي الذي لم تعد العواصم الأوروبية تستطيع الهروب منه: هل أمريكا تحمي أوروبا من روسيا، أم أنها تستخدم الحرب لاستنزاف روسيا وإضعاف أوروبا معاً لتبقى هي القوة الوحيدة المهيمنة؟
هل تحوّلت الحرب في أوكرانيا من صراع إقليمي إلى أداة لتصفية الحسابات الجيوسياسية بين واشنطن وموسكو على حساب الأمن الأوروبي؟
أولًا: أوروبا بين “التهديد الوجودي” و”الاستنزاف الاستراتيجي”
تواجه أوروبا اليوم ما يمكن وصفه بـ”الفخ المزدوج”. فمن ناحية، تُدرك العواصم الأوروبية أن روسيا—حتى في حال تراجع قواتها ميدانيًا—ستظل تهديدًا طويل الأمد؛ إذ تُشير تقديرات استخبارية إلى أن موسكو قد تُصعّد من حربها “غير المتماثلة” ضد أوروبا، بما في ذلك تخريب البنية التحتية الحيوية والتدخل في العمليات الانتخابية. ومن ناحية أخرى، فإن استمرار الحرب يستنزف أوروبا اقتصاديًا بشكل غير مسبوق.
اقتصاديًا، أدى قطع إمدادات الطاقة الروسية إلى إعادة تشكيل كامل لسوق الطاقة الأوروبية، مع تحوّل قسري نحو الغاز الأمريكي والقطري الأكثر تكلفة، مما يُبقي أسعار الطاقة عرضة لتقلبات حادة. كما أن معدلات النمو الاقتصادي الأوروبي (1.5% في 2025) تُظهر تباطؤًا واضحًا مقارنة بالولايات المتحدة، مع مخاوف من أن يؤدي الإنفاق الدفاعي المتزايد إلى تقليص ميزانيات الرعاية الاجتماعية.
أمنيًا، يُدرك القادة الأوروبيون أن أي “سلام” لا يتضمن ضمانات أمنية حقيقية لأوكرانيا قد يكون مجرد هدنة مؤقتة قبل الجولة التالية من الصراع. هذا المأزق يدفع دولًا مثل فرنسا وبولندا إلى تعزيز التعاون العسكري الثنائي، بما في ذلك تدريبات تحاكي ضرب أهداف داخل العمق الروسي، في خطوة تحمل مخاطرة تصعيدية كبيرة.

ما حجم الخطر الذي تمثله الحرب الروسية الأوكرانية على أوروبا اليوم؟
الخطر الأوروبي لم يعد مرتبطاً فقط باحتمال اندلاع حرب تقليدية بين روسيا ودولة من دول الاتحاد الأوروبي أو الناتو، وإنما اتسع ليشمل ما يعرف بالحرب الهجينة.
فأوروبا أصبحت تواجه مخاطر مرتبطة بالطائرات المسيّرة، والهجمات السيبرانية، والتخريب، والضغط على البنية التحتية، ومحاولات تعطيل خطوط الإمداد التي تمر عبر الدول الأوروبية إلى أوكرانيا.
وفي سبتمبر الجاري، حذرت قيادات أوروبية من تنامي هذه المخاطر، فيما تحدثت بولندا عن احتمال استهداف دول تدعم أوكرانيا، بينما أشارت تقارير أوروبية إلى حوادث وهجمات مرتبطة بالبنية التحتية والنقل.
وهذا يعني أن أوروبا أصبحت أمام معادلة صعبة: كلما طال أمد الحرب، زادت احتمالات توسع نطاق المخاطر، حتى من دون إعلان حرب مباشرة بين روسيا والناتو.
ما هو حجم الخطر الحقيقي الذي تمثله حرب أوكرانيا على الأمن القومي الأوروبي؟
الخطر الأمني على أوروبا لم يعد نظرياً:
الخطر تجاوز فكرة اجتياح روسي لدولة ناتو. نحن أمام 4 تهديدات متزامنة:
أولاً، التهديد العسكري المباشر: الحرب أعادت عقيدة الدفاع عن كل شبر في الناتو، بعدما كانت العقيدة هي التدخل السريع فقط. دول البلطيق وبولندا تعيش حالة تعبئة دائمة.
ثانياً، الخطر النووي التكتيكي: أي خطأ في الحسابات في البحر الأسود أو فوق بولندا قد يجر القارة لمواجهة نووية محدودة، وهو سيناريو لم تكن أوروبا مستعدة له.
ثالثاً، تفكك المنظومة الأمنية الأوروبية: اتفاقيات الحد من التسلح انهارت، وسباق تسلح جديد بدأ، ألمانيا وحدها خصصت 100 مليار يورو لإعادة تسليح جيشها.
رابعاً، الخطر الداخلي: استنزاف مخازن السلاح الأوروبي لصالح أوكرانيا جعل جيوش أوروبا نفسها في حالة ضعف غير مسبوقة.

إلى أي مدى ساهم الدعم الأمريكي (العسكري والاستخباراتي) في إطالة أمد الحرب، وهل كان بديلاً أفضل للضغط باتجاه تسوية مبكرة؟

دور أمريكا في استمرار الحرب: الدعم العميق والتحولات السياسية
لعبت الولايات المتحدة دوراً محورياً في منع انهيار أوكرانيا سريعاً. تحقيقات صحفية كشفت عن شراكة سرية واسعة منذ 2022 شملت تخطيطاً عسكرياً مشتركاً في فيسبادن، تزويداً استخباراتياً دقيقاً، وتوجيه ضربات دقيقة باستخدام أنظمة مثل HIMARS وATACMS. هذا الدعم لم يكن مجرد تسليح، بل شراكة عملياتية ساعدت في إلحاق خسائر كبيرة بالقوات الروسية.
مع تغير الإدارة الأمريكية بعد 2025، انخفضت المساعدات الجديدة المباشرة بشكل ملحوظ، واعتمدت أوكرانيا أكثر على أوروبا. بعض التحليلات ترى أن الدعم الأمريكي المبكر (وإجهاض مفاوضات إسطنبول 2022 حسب بعض الروايات) أطال أمد الحرب بتمكين أوكرانيا من المقاومة دون تقديم تنازلات كبرى. روايات أخرى تؤكد أن روسيا هي التي رفضت التسويات التي لا تحقق أهدافها القصوى، وأن الدعم الغربي كان ضرورياً لردع عدوان أوسع.
في 2026، تبدو السياسة الأمريكية أكثر تركيزاً على الضغط الاقتصادي والدبلوماسي مع الحفاظ على دعم غير مباشر عبر الحلفاء الأوروبيين. هذا التحول قلل من الاعتماد الأوكراني على واشنطن، لكنه أثار مخاوف أوروبية من تراجع الالتزام الأمريكي، خاصة مع تقارير عن دراسة سحب قوات أمريكية من أوروبا. النتيجة: أوروبا تحملت عبئاً أكبر، والحرب استمرت كصراع استنزاف يخدم أهدافاً جيوسياسية أمريكية (إضعاف روسيا دون مواجهة مباشرة) بقدر ما يخدم صمود أوكرانيا.

يمكن أن تنزلق أوروبا إلى مواجهة مباشرة مع روسيا؟
السيناريو ليس حتمياً، لكنه أحد أخطر المخاطر التي تحاول الدول الأوروبية تجنبها.
المشكلة أن مساحة الاحتكاك أصبحت أكبر. فهناك حدود مباشرة بين روسيا وبعض دول الناتو، وهناك حركة عسكرية واسعة في شرق أوروبا، كما أن الأسلحة الغربية المستخدمة في أوكرانيا مرتبطة بصورة متزايدة بالدعم الأوروبي والأميركي.
وفي الوقت نفسه، تعمل دول أوروبية على رفع قدراتها الدفاعية، بينما تضغط واشنطن على الحلفاء لزيادة الإنفاق العسكري وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة. وتشير تقارير حديثة إلى أن واشنطن تعيد التفكير في حجم وجودها العسكري في أوروبا، رغم استمرار التعاون الأمني والعسكري.
لذلك فإن الخطر الأكبر ربما لا يكون قراراً متعمداً ببدء حرب روسية ــ أطلسية، وإنما حادثاً عسكرياً أو هجوماً بطائرة مسيّرة أو صاروخ أو عملية هجينة تؤدي إلى سوء تقدير متبادل وتصعيد يصعب احتواؤه.
كيف أثرت التحولات في السياسة الأمريكية بعد 2025 على التوازن بين ردع روسيا ودعم
أوكرانيا، وما انعكاس ذلك على أوروبا؟
التوازن بين الردع والتسوية
الدعم الأمريكي والأوروبي مكن أوكرانيا من ضرب أهداف داخل روسيا (مصافٍ، بنية تحتية)، مما زاد تكلفة الحرب على موسكو. لكن غياب هدف سياسي واضح وقابل للتحقيق من جانب الغرب (استعادة كل الأراضي أم تسوية واقعية؟) ساهم في إطالة الصراع. روسيا، من جانبها، تراهن على استنزاف الإرادة الغربية وتستخدم الحرب الهجينة للضغط. كلا الطرفين يتحمل مسؤولية الاستمرار، لكن المبادرة العدوانية كانت روسية.

هل يمكن فصل “الحرب الهجينة” الروسية عن الدعم الغربي لأوكرانيا، أم أن الاثنين مرتبطان ارتباطاً وثيقاً في حسابات موسكو؟
لا يمكن فصل الاثنين بسهولة في المنطق الروسي الرسمي والاستراتيجي. من وجهة نظر موسكو، الدعم العسكري والاستخباراتي الغربي لأوكرانيا (سواء الأمريكي المباشر سابقاً أو الأوروبي المستمر) يُعتبر جزءاً أساسياً من “الحرب بالوكالة” ضد روسيا. لذلك، فإن الرد الروسي عبر الحرب الهجينة – هجمات المسيرات، التخريب السيبراني، استهداف البنية التحتية تحت البحر، والضغط على الحدود – يُقدَّم داخلياً وخارجياً كرد فعل على هذا الدعم وليس كعدوان منفصل.
التقييمات الغربية (ومنها تحذيرات بولندا وفرنسا في سبتمبر 2026) ترى أن روسيا تستخدم هذه الأدوات لاختبار تماسك الناتو وإضعاف الإرادة السياسية الأوروبية في مواصلة دعم كييف، دون الوصول إلى عتبة المادة الخامسة. بمعنى آخر: الدعم الغربي يطيل قدرة أوكرانيا على الصمود، والحرب الهجينة الروسية تهدف إلى جعل تكلفة هذا الدعم أعلى من أن تتحملها أوروبا سياسياً واقتصادياً.
الواقع أكثر تعقيداً من الروايتين. روسيا بدأت العدوان التقليدي عام 2022، واستمرت في استخدام الأدوات الهجينة حتى قبل أن يصل الدعم الغربي إلى مستوياته الحالية. في الوقت نفسه، كلما زاد الدعم الغربي فعاليةً (خاصة الضربات العميقة داخل روسيا)، زاد ميل موسكو إلى الرد بأدوات غير تقليدية لتجنب المواجهة المباشرة مع الناتو. النتيجة حلقة مفرغة: الدعم يطيل الحرب، والحرب الهجينة تضغط لوقف الدعم.
كيف تؤثر هذه الحرب الممتدة على استقلالية القرار الأوروبي ومفهوم “الأمن الاستراتيجي الموحد”؟

أدت الحرب الروسية الأوكرانية إلى تحول دراماتيكي في ديناميكيات القرار السياسي والأمني داخل الاتحاد الأوروبي، ويمكن القول إن مفهوم “الاستقلال الاستراتيجي” الذي نادى به قادة أوروبيون (مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون) تعرض لانتكاسة كبيرة لصالح المفهوم الأطلسي بقيادة واشنطن، ويتجلى ذلك في النقاط التالية:
تقويض مشروع القوة الدفاعية الموحدة:
كان هناك طموح أوروبي متزايد قبل الحرب لبناء قوة عسكرية موحدة أو “جيش أوروبي” يستطيع التصرف بمعزل عن التوجيه الأمريكي. إلا أن خطورة التهديد الروسي المباشر كشفت عن الهشاشة الدفاعية للعواصم الأوروبية، مما دفع الاتحاد مجدداً للتسليم بأن حلف الناتو والمظلة النووية الأمريكية هما الضامن الوحيد والفعلي لأمن القارة.
الانقسام الداخلي وتشتت أجندة الاتحاد:
أحدثت الحرب انقساماً في توجيه الأولويات داخل التكتل الأوروبي:
دول شرق أوروبا والبحر أستوني/البلطيق (مثل بولندا وإستونيا): ترى أن أولوية أمن القارة هي الهزيمة الكاملة لروسيا والدعم العسكري بلا حدود، وتتمسك بالتحالف الوثيق جداً مع واشنطن.
دول غرب ووسط أوروبا (مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا): تتخوف من الآثار الاقتصادية طويلة الأمد والانزلاق لمواجهة مباشرة، وترغب في إيجاد صيغة للتفاوض ومخرج للأزمة لا ينهي علاقات القارة الاقتصادية بالكامل مستقبلاً.
الارتهان الاقتصادي وسيادة القرار السياسي:
عندما تفقد القارة استقلاليتها في مجال الطاقة وتعتمد بشكل كثيف على استيراد الغاز الأمريكي المرتفع الثمن، وتعتمد في تسليح جيوشها على عقود طويلة الأجل مع مجمعات الصناعات الدفاعية الأمريكية، فإن قدرتها على صياغة سياسة خارجية مستقلة تضعف بشكل ملحوظ. أصبحت القرارات الأوروبية الرئيسية في هذه الحرب ردود أفعال تابعة للمواقف والتحركات التي تقررها واشنطن أولاً.
هل يمكن لأوروبا أن تبني “سيادتها الدفاعية” بعيدًا عن المظلة الأمريكية، أم أن هذا الطموح يظل حبرًا على ورق؟
الناتو وأوروبا: “الدعم بلا سقف” تحت وطأة الضغوط
في قمة أنقرة (يوليو 2026)، تعهّد حلف الناتو بتقديم 80 مليار دولار من الدعم الدفاعي لأوكرانيا في 2026 وحده، مع خطة لتقديم مبلغ مماثل في 2027. كما أُطلقت مبادرات جديدة مثل “قائمة الأولويات الأوكرانية” (PURL) وآلية JUMPSTART، التي تتيح شراء أسلحة أمريكية بتنسيق أوروبي. لكن هذا الزخم المالي لا يُخفي التناقضات العميقة داخل الاتحاد الأوروبي؛ فالمجر تواصل عرقلة حزم التمويل الكبرى، وبعض الدول بدأت تُناقش “إعادة ضبط العلاقة مع روسيا”.
لماذا لا تنجح الضغوط الأميركية حتى الآن في إنهاء الحرب؟
لأن الفجوة بين مواقف موسكو وكييف ما زالت كبيرة، خصوصاً فيما يتعلق بالأراضي والأمن ومستقبل أوكرانيا.
روسيا تريد ضمانات وترتيبات أمنية وسياسية تمنع أوكرانيا من التحول إلى قاعدة عسكرية غربية على حدودها، بينما تصر كييف على سيادتها وأمنها وعلى عدم فرض اتفاق ينهي الحرب على حساب الأراضي الأوكرانية.
والولايات المتحدة تستطيع ممارسة ضغط كبير على الطرفين، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج اتفاق إذا لم تتوافر لدى موسكو وكييف أسباب كافية لقبوله.
ولهذا فإن المفاوضات الأميركية الأخيرة لم تحقق حتى الآن اختراقاً نهائياً، رغم عودة الاتصالات المباشرة.
هل تستطيع أوروبا الاستمرار في دعم أوكرانيا إذا تراجع الدور الأميركي؟
أوروبا تتحرك بالفعل باتجاه تحمل مسؤولية أكبر. حلف الناتو أعلن في سبتمبر أن الدول الأوروبية زادت مساهماتها في دعم أوكرانيا، وأن أكثر من 10 مليارات دولار جرى تخصيصها خلال العام السابق عبر آليات تشمل شراء معدات أميركية لاحتياجات أوكرانيا.
الناتو
لكن الانتقال من الاعتماد على الولايات المتحدة إلى قدرة أوروبية مستقلة يحتاج إلى وقت.
فالمشكلة ليست الأموال فقط، وإنما الإنتاج العسكري، والدفاع الجوي، والذخائر، والاستخبارات، والأقمار الصناعية، والقدرة على نقل القوات والمعدات بسرعة.
ولهذا فإن تقليص الدور الأميركي بصورة مفاجئة قد يضع أوروبا أمام فجوة أمنية، بينما الانسحاب التدريجي يعطيها فرصة أكبر لبناء قدراتها الذاتية.
هل أصبحت أوروبا أمام سباق تسلح جديد؟
إلى حد كبير، نعم من الناحية العملية، إذ تعمل دول أوروبية على زيادة الإنفاق الدفاعي وتحديث الجيوش وأنظمة الدفاع الجوي والصاروخي والطائرات المسيّرة.
لكن الهدف المعلن من الحكومات الأوروبية والناتو هو تعزيز الردع ومنع توسع الحرب، وليس بالضرورة التحضير لحرب هجومية.
المفارقة أن زيادة القدرات العسكرية يمكن أن تحقق هدفين متناقضين: رفع كلفة أي هجوم محتمل، لكنها في الوقت نفسه قد تزيد التوتر إذا فسرتها موسكو باعتبارها استعداداً لمواجهة مباشرة.
ومن هنا تصبح إدارة الرسائل السياسية والعسكرية جزءاً أساسياً من منع التصعيد.
ما السيناريو الأكثر واقعية لإنهاء الحرب دون أن يتحول الخطر إلى أوروبا نفسها؟
السيناريوهات الثلاثة الرئيسية هي:
انتصار أوكراني جزئي أو استعادة معظم الأراضي: يتطلب دعماً غربياً أكبر بكثير مما هو متاح حالياً (خاصة بعد تراجع المساعدات الأمريكية المباشرة). احتماله منخفض في المدى القريب، ويحمل خطر تصعيد روسي أوسع (بما في ذلك تهديدات نووية أو هجمات هجينة أشد).
تجميد الصراع على خطوط التماس الحالية: يشبه نموذج كوريا أو النزاعات المجمدة في الفضاء السوفييتي السابق. هذا السيناريو يقلل الخطر الفوري على أوروبا، لكنه يترك جرحاً مفتوحاً يسمح لروسيا بإعادة التسليح والضغط لاحقاً، ويُبقي أوكرانيا في حالة استنزاف اقتصادي وأمني دائم.
تسوية تفاوضية تتضمن تنازلات إقليمية مقابل ضمانات أمنية: هو الأكثر واقعية من حيث إمكانية التحقق، لكنه الأصعب سياسياً. يتطلب تنازلات أوكرانية مؤلمة (خاصة في الدونباس وربما أجزاء من الجنوب)، وضمانات أمنية غربية قوية (ربما خارج إطار الناتو الكامل)، وتنازلات روسية عن أهدافها القصوى. النجاح هنا يعتمد بشكل كبير على قدرة الولايات المتحدة وأوروبا على تنسيق موقف واحد والضغط المتزامن على الطرفين.
الخيار الأكثر احتمالاً في الأفق المتوسط (2026-2027) هو مزيج من التجميد الجزئي مع مفاوضات مستمرة، خاصة إذا استمر الاستنزاف المتبادل وارتفعت التكاليف على الجانبين. الخطر الأكبر على أوروبا ليس في سيناريو معين بحد ذاته، بل في استمرار الوضع الراهن دون أفق واضح، مما يبقي القارة في حالة تأهب دائم ويستنزف مواردها.
ملخص سريع للمشهد الحالي :
المشهد الاستراتيجي لعام 2026 يكشف عن حقيقة قاسية: الحرب في أوكرانيا لم تعد صراعًا بين موسكو وكييف فقط، بل تحوّلت إلى أداة لإعادة تشكيل التوازنات العالمية. الولايات المتحدة، بموقعها كـ”المتحكم الرئيسي” في تدفق السلاح والمعلومات، تستفيد من إطالة أمد الصراع لاستنزاف روسيا وتعزيز ارتباط أوروبا الأمني بها، لكنها في الوقت ذاته تتحاشى الانزلاق إلى حرب مباشرة. أما أوروبا، فهي الطرف الذي يدفع الثمن مرتين: مرة في ساحة المعركة الأوكرانية، ومرة في اقتصادها ومشروعها التكاملي.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس “هل ستُستأنف الحرب؟” بل: هل تستطيع أوروبا أن تنتزع قرارها الاستراتيجي من يد واشنطن قبل أن تجد نفسها في حرب لم تخترها، ولا تملك أدوات إنهائها؟

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى