
في سابقة تاريخية… الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية تصوّت لعزل المدعي العام كريم خان
"إسرائيل" تهدّد أعضاءً أمميين وشخصيات... وكشفٌ للفضائح يكشف الوجه القبيح للعدالة الانتقائية
كتب أحمد سمير
لم يكن تاريخ 24 يوليو الماضي 2026 عاديا، لم تشهد المحكمة الجنائية الدولية مجرد تغيير إداري في أعلى هرم الادعاء الدولي، بل شهدت العالم لحظة انكشفت فيها خيوط مؤامرة دولية هدفت إلى إسكات صوت العدالة، فبأغلبية 82 صوتاً من أصل 125 دولة عضواً، أُطيح بالمدعي العام كريم خان، الرجل الذي تجرأ وأصدر مذكرتي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت بتهم جرائم حرب في غزة.
وقد تم الإعلان سبب قرار العزل، رسمياً بسبب اتهامات بسوء سلوك جنسي جسيم واخلال بالواجب تجاه موظفة مبتدئة في مكتبه، وفي الوقت ذاته، برزت اتهامات متبادلة بشأن ممارسة ضغوط وتهديدات بحق مسؤولين أمميين وشخصيات دولية، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد ويعزز الجدل حول مستقبل العدالة الدولية.
هذا وقد كشف المحامي الدولي عمر الجازي أن هذا القرار يبعث “برسالة خطيرة” محتواها أن الاقتراب من إسرائيل أو إدانتها قد تكون له تبعات، معتبراً أنه “يوم حزين” إذا كان الدافع الرئيس وراء القرار سياسياً.
النظام الدولي الذي أنشئ ليكون ملاذاً أخيراً للضحايا، تحوّل اليوم إلى ساحة انتقام سياسي، وإسرائيل التي ليست حتى عضواً في المحكمة، نجحت في تنفيذ تهديداتها وإسقاط مدعٍ عام أصبح يشكّل خطراً على هروبها من العدالة.
الأمر الذي يجعلنا نطرح سؤالاً مصيرياً: هل أصبحت العدالة الدولية رهينة لإرادة الدول التي ترفض الخضوع للمساءلة؟ وهل أصبح عزل مدعٍ عام بسبب سوء سلوك مزعوم ذريعة لإسقاط من يجرؤ على ملاحقة مجرمي الحرب؟
لماذا يُعد التصويت على عزل كريم خان حدثًا استثنائيًا؟
لأن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية يتمتع باستقلال قانوني يفترض أن يحميه من التأثيرات السياسية المباشرة. وأي إجراء يتعلق بمنصبه يلفت الانتباه إلى ضرورة التمييز بين المساءلة الإدارية أو الشخصية– إذا وجدت أسباب قانونية لذلك – وبين تأثير تلك الإجراءات على القضايا المنظورة أمام المحكمة، ولهذا يثير الحدث نقاشًا واسعًا حول استقلال المؤسسة القضائية الدولية.

التوقيت فضيحة بحد ذاته
المحكمة نفسها تعترف أن الضغوط تصاعدت بشكل خاص ضد خان منذ أبريل 2024، حين بدأ الاستعدادات لإصدار أوامر اعتقال بحق نتنياهو وغالانت بسبب حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، لم يكن صدفة أن تظهر فجأة قضية أخلاقية عمرها عامان في نفس اللحظة التي يتحرك فيها ملف فلسطين، إنها نفس الخطة القديمة: اغتالوا الرسول كي تموت الرسالة.
ما هي الوقائع الرسمية التي أدت إلى عزل كريم خان؟
خلصت هيئة الرقابة في المحكمة (المكتب) في يونيو الماضي 2026 إلى أن خان ارتكب «سوء سلوك جسيم واخلال جسيم بالواجب»، مستندة إلى تقرير مكتب الأمم المتحدة لخدمات الرقابة الداخلية وتحقيقات سابقة. الادعاءات تتعلق بعلاقة جنسية غير لائقة مع موظفة مبتدئة ومحاولة منعها من متابعة شكواها. خان كان قد أخذ إجازة طوعية منذ مايو 2025، ثم عُلقت مهامه رسمياً في يونيو الماضي في 24 يوليوالجاري صوتت 82 دولة لصالح العزل، مقابل 13 ضد، و15 امتناعاً (مع غياب بعض الأعضاء). خان ينفي كل شيء ويصف القرار بأنه «غير مدعوم بأدلة» وأنه صدر في ظل ضغوط خارجية، وأن لجنة قضائية مستقلة سابقة لم تجد دليلاً كافياً على مستوى «ما لا يدع مجالاً للشك».
مسرحية العزل المُعدة مسبقاً:
الرواية الرسمية تقول إن من المقرر أن تصوت الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية على عزل المدعي العام كريم خان لاتهامه بارتكاب سلوك جنسي غير لائق، وأنه في تصويت غير مسبوق، صوّتت الدول الأعضاء على إقالته على خلفية اتهامات بسوء السلوك، لكن من يصدق؟ خان نفسه ينفي ووصف محاموه القرار بأنه غير قانوني وغير عادل إجرائيا ولا تدعمه الأدلة. ما حدث هو أن 82 دولة من أصل 125 صوتت لصالح العزل تحت تهديد مباشر بالعقوبات الأميركية التي وصلت لحد تهديد وزير الخارجية الأميركي بـ “تفكيك” الجنائية الدولية لأنها تشن حرباً علينا. أي عدالة هذه التي تُدار بالعصا الأميركية؟

هل يؤثر عزله على مذكرات التوقيف الصادرة بحق نتنياهو وغالانت؟
مصير مذكرات التوقيف
العزل لا يلغي المذكرات، مذكرات التوقيف تصدرها وتسحبها قضاة المحكمة فقط، لا المدعي العام، النواب المدعون العامون يستمرون في إدارة المكتب، والقضية ضد المسؤولين الإسرائيليين تبقى قائمة قانونياً، أي ادعاء بأن العزل «أفرغ» المذكرات من مضمونها هو ادعاء سياسي لا قانوني.
هل توجد علاقة مباشرة بين هذا التطور وملف ملاحقة المسؤولين الإسرائيليين؟
يرى بعض المراقبين أن التوقيت يدفع إلى طرح هذا التساؤل، خاصة بعد الإجراءات التي اتخذها مكتب الادعاء في ملفات تتعلق بالحرب في غزة. ومع ذلك، لا توجد أدلة معلنة تثبت أن إجراءات عزل المدعي العام جاءت بسبب تلك الملفات تحديدًا، ومن المهم الفصل بين التحليل السياسي والوقائع المثبتة قانونيًا.
من الذي يهدد القضاة والموظفين الأمميين في الخفاء، ولماذا يصمت العالم على إرهاب الدولة المنظم ضد العدالة؟
إرهاب الدولة ضد الأمم المتحدة:
إسرائيل لا ترد بالقانون، بل بالتهديد. هذه عقيدتها مع كل من يفضحها. هددت مقررة الأمم المتحدة فرانشيسكا ألبانيز بالعقوبات، وهددت قضاة المحكمة، ووضعت مكتب المدعي العام تحت المراقبة الاستخباراتية، وتجسست على موظفي المحكمة وعائلاتهم. كل موظف أممي كتب تقريراً عن غزة وجد نفسه في قائمة الاغتيال المعنوي أو الملاحقة أو المنع من الدخول. إنها عصابة بلباس دولة، تدير الابتزاز كسياسة خارجية.
هل انتهت المحكمة الجنائية الدولية كجهة مستقلة بعد هذا التصويت، وتحولت إلى أداة بيد واشنطن وتل أبيب؟
نهاية أسطورة القضاء الدولي
بهذا التصويت، المحكمة الجنائية الدولية حفرت قبرها بيدها، الرسالة للعالم كله واضحة: يمكنك أن تحاكم رؤساء أفريقيا، ويمكنك أن تلاحق جنرالات من آسيا، لكن إياك أن تقترب من إسرائيلي. القانون الدولي لم يعد أعمى، بل أصبح يرى جيداً جنسية المجرم قبل أن يقرر هل هو مجرم أم لا.
ما هي الرسالة التي يرسلها هذا القرار لمستقبل العدالة الدولية؟
ازدواجية المعايير الدولية كشفت القضية عن ازدواجية واضحة في تطبيق القانون الدولي، حيث فرضت إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عقوبات على خان وعدد من مسؤولي المحكمة، وجمدت أصولاً وقيّدت تحركات، في المقابل، لم تُتخذ إجراءات مماثلة ضد مسؤولين إسرائيليين متهمين بارتكاب جرائم حرب.
ماذا يعني هذا القرار لمصداقية المحكمة الجنائية الدولية ومستقبلها؟
هذه أول مرة يُعزل فيها مدعٍ عام في تاريخ المحكمة. القرار يرسل رسالة مزدوجة: المحكمة قادرة على محاسبة مسؤوليها، لكنها في الوقت نفسه تبدو عرضة لضغوط خارجية هائلة، انتخاب مدعٍ عام جديد سيستغرق وقتاً، والنواب يتولون القيادة مؤقتاً، الثقة في استقلالية المحكمة، خاصة في قضايا الشرق الأوسط، باتت على المحك أكثر من أي وقت مضى.
هل ستصمد مذكرتا التوقيف بحق نتنياهو وغالانت بعد رحيل خان، أم أن المحكمة ستسقط في فخ المسايسة؟
انقسمت القراءات بين من اعتبر أن المحكمة أثبتت أنها لا تستثني أحداً من المحاسبة، وبين من رأى أن ما جرى يعكس حجم الضغوط السياسية التي أصبحت تطوق العدالة الجنائية الدولية. لكن القراءة الأكثر إقناعاً تؤكد أن الأزمة وُلدت عند نقطة التقاء القانون بالسياسة. فالمادة 46 من نظام روما الأساسي تتيح عزل المدعي العام إذا ثبت ارتكابه سوء سلوك جسيم، لكن المادة 42 تؤكد استقلال مكتب المدعي العام وعدم خضوعه لأي توجيه أو تأثير خارجي. والسؤال: هل جرى العزل وفق الروح الحقيقية للمادة 42؟
العدالة تُقتل على مذبح السياسة
إن إقالة كريم خان ليست مجرد إطاحة بمدعٍ عام، بل هي إعدام للعدالة الدولية ذاتها، فالمحكمة التي تأسست لتكون صوتاً للضحايا ولردع المجرمين، أصبحت اليوم رهينة للدول الكبرى ولإسرائيل التي تفلت من العقاب بفضل نفوذها وتهديداتها، لقد أثبتت إسرائيل أنها لا تعترف بأي قانون أو محكمة، وأنها مستعدة لقلب الموازين الدولية بأكملها فقط لحماية مجرمي حرب من المساءلة.
نتنياهو وغالانت يرقصون اليوم على أنقاض العدالة، متناسين أن التاريخ لا يُشترى بالتهديدات، وأن الضحايا في غزة ينتظرون، وإن طال الزمن، يوماً تُدان فيه الجرائم. الممثل الأميركي مارك رافالو كان محقاً عندما قال: “لن تفلت من العدالة، ولن تتمكن من تغيير التاريخ. أنت قاتل مختل يا بنيامين نتنياهو، وهكذا سيذكرك التاريخ دائماً”.
أما المحكمة الجنائية الدولية، فإنها اليوم أمام اختبار وجودي: إما أن تستعيد استقلاليتها وتثبت أن العدالة أقوى من التهديدات، أو أن تصبح مجرد أداة بيد القوى الكبرى تُستخدم ضد من تشاء وتُحمي من تشاء. والمؤسف أن ما جرى في 24 يوليو 2026 قد يكون إيذاناً بسقوط الحلم الدولي في عدالة عالمية، واستسلاماً لثقافة الإفلات من العقاب التي تغذيها إسرائيل وحلفاؤها.



