
هرمز في قلب العاصفة… الحرب التي تُسعّر العالم من إغلاق المضيق إلى نزيف قناة السويس
كيف يعيد الصراع رسم خريطة الطاقة والتجارة الدولية؟
كتب أحمد سمير
في مشهد دولي يتسم بتزايد حدة التوترات الجيوسياسية، برزت الصراعات المسلحة – في أوكرانيا والشرق الأوسط على وجه الخصوص – كمحرك رئيسي لإعادة تشكيل أسواق الطاقة العالمية والتجارة الدولية. فلم تعد الحروب مجرد أزمات إنسانية وسياسية محصورة في نطاقها الجغرافي، بل تحولت إلى صدمات اقتصادية كبرى تعيد رسم خرائط الإمدادات، وتُحدث تقلبات حادة في الأسعار، وتُضعضِع سلاسل التوريد التي قامت عليها العولمة لعقود.
يتخذ الشرق الأوسط موقعاً محورياً في هذه المعادلة، إذ يضم خمسة من أكبر عشرة منتجين للنفط في العالم، ويمر عبر مضيق هرمز – ذلك الممر المائي الضيق – نحو 25 إلى 30% من النفط المنقول بحراً وحوالى 20% من الغاز الطبيعي المسال في العالم، وفي عام 2025 وحده، مر عبر المضيق أكثر من 110 مليار متر مكعب من الغاز المسال، أي ما يقارب 20% من التجارة العالمية لهذا الوقود الحيوي، أي اضطراب في هذا الممر يعني توقفاً جزئياً أو كلياً لإمدادات الطاقة التي تغذي اقتصادات آسيا وأوروبا والعالم بأسره.
في المقابل، أعادت الحرب الروسية الأوكرانية تشكيل خريطة الطاقة الأوروبية بشكل جذري، فبينما كانت روسيا تزود أوروبا بـ 45% من وارداتها من الغاز في بداية الحرب، تراجعت هذه النسبة إلى 13% فقط بحلول عام 2025، مع انخفاض واردات النفط الخام من 26% إلى 2%. هذا التحول الدراماتيكي لم يقتصر على تغيير مصدر الإمدادات، بل أحدث زلزالاً في هيكل أسعار الطاقة العالمي وأعاد تعريف مفهوم “أمن الطاقة” ذاته.
كيف يؤثر الصراع مباشرة على أسعار وأحجام إمدادات الطاقة؟
يؤدي الصراع إلى قفزات حادة في الأسعار بسبب المخاطر وليس بالضرورة نقصاً فعلياً فورياً في الإنتاج. ارتفعت أسعار خام برنت من حوالي 70 دولاراً للبرميل قبل التصعيد إلى ذروات تجاوزت 120 دولاراً في مارس- أبريل الماضيين، ثم بقيت متقلبة حول 95-100 دولار أو أكثر مع تجدد التوترات في يوليو، كما ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا وآسيا بشكل حاد، بينما بقيت الأسعار الأميركية أكثر استقراراً نسبياً بفضل الإنتاج المحلي.
على صعيد الأحجام، أدى تعطيل مضيق هرمز (الذي يمر عبره نحو 20-25% من تجارة النفط المنقولة بحراً وحوالى 20% من LNG العالمي) إلى انخفاض حاد في صادرات الخليج. لجأت الدول إلى أنابيب بديلة (مثل خط شرق-غرب السعودي وخط أبوظبي)، لكن طاقتها أقل بكثير من الكميات المعتادة (حوالي 20 مليون برميل يومياً عبر هرمز سابقاً). كما أدى استهداف مصافي التكرير الروسية وهجمات الحوثيين على باب المندب إلى نقص في المنتجات المكررة (خاصة الديزل)، مما رفع هوامش التكرير إلى مستويات قياسية.

كيف ضرب الصراع التجارة الدولية وقناة السويس؟
إيرادات القناة هبطت 60% في 2024 بخسارة شهرية 800 مليون دولار، الحاويات آسيا- أميركا تضاعفت: شنغهاي- لوس أنجلوس 4,565$ وشنغهاي-نيويورك 5,505$ للحاوية 40 قدم بزيادة 100% منذ فبراير وقود السفن ارتفع 55% إلى 845$ مع تكلفة إضافية 5.5 مليار دولار منذ فبراير، تتحمل هاباغ لويد وحدها 50 مليوناً أسبوعياً .
كيف تؤثر الصراعات على التجارة الدولية؟
تتأثر التجارة العالمية من خلال عدة مسارات:
اضطراب حركة السفن في الممرات البحرية.
ارتفاع أسعار الشحن العالمي.
تأخر وصول البضائع وسلاسل الإمداد.
زيادة تكلفة الإنتاج بسبب ارتفاع أسعار الوقود والمواد الخام.
تراجع حجم التجارة بين الدول المتأثرة بالأزمة.
وهذه العوامل تؤدي في النهاية إلى ارتفاع أسعار السلع عالميًا وزيادة معدلات التضخم.

كيف تؤثر الصراعات على التجارة الدولية؟
تتأثر التجارة العالمية من خلال عدة مسارات:
اضطراب حركة السفن في الممرات البحرية.
ارتفاع أسعار الشحن العالمي.
تأخر وصول البضائع وسلاسل الإمداد.
زيادة تكلفة الإنتاج بسبب ارتفاع أسعار الوقود والمواد الخام.
تراجع حجم التجارة بين الدول المتأثرة بالأزمة.
وهذه العوامل تؤدي في النهاية إلى ارتفاع أسعار السلع عالميًا وزيادة معدلات التضخم.
هل توجد دول تستفيد اقتصاديًا من الصراعات؟
في بعض الحالات، تحقق الدول المصدرة للطاقة مكاسب مالية نتيجة ارتفاع الأسعار، كما تستفيد شركات الطاقة والدفاع والشحن من زيادة الطلب على خدماتها. لكن هذه المكاسب قد تكون مؤقتة إذا أدى استمرار الصراع إلى ركود اقتصادي عالمي يحد من الطلب على الطاقة.
هل يسرّع الصراع التحول الطاقي أم يعرقله؟
يعمل في اتجاهين متعاكسين. من جهة، يدفع الدول المستوردة إلى تسريع الاستثمار في الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة وتنويع المصادر (زيادة الإنتاج الأمريكي والبرازيلي والأفريقي، وتطوير خطوط أنابيب جديدة). سجلت الطاقة المتجددة أرقاماً قياسية في الإضافات الجديدة عام 2025، ويُنظر إلى الصراع على أنه “يُسرّع طفرة المتجددات”.
من جهة أخرى، قد يؤدي الارتفاع الحاد في الأسعار قصيرة الأجل إلى العودة المؤقتة إلى الفحم أو إبطاء بعض مشاريع التحول في الدول النامية بسبب الضغوط المالية. على المدى المتوسط، يعزز الصراع مفهوم “أمن الطاقة” على حساب الاعتماد المتبادل، مما يؤدي إلى تفتت الأسواق (أسواق إقليمية أكثر انفصالاً).
ما هي التداعيات طويلة الأمد على هيكل التجارة العالمية؟
يعيد الصراع صياغة “خريطة الطاقة العالمية” بشكل دائم: انخفاض الثقة في الممرات التقليدية، بناء بنية تحتية بديلة (أنابيب، موانئ جديدة، مخزونات)، وتسييس أكبر لتجارة الطاقة كأداة نفوذ يصبح الاعتماد المتبادل مصدر ضعف استراتيجي، مما يدفع نحو “إعادة التوطين” الجزئي أو التحالفات الإقليمية الأقوى في مجال الطاقة هذا التفتت يرفع التكاليف الهيكلية للتجارة العالمية ويقلل من كفاءة النظام السابق القائم على التخصص الجغرافي.
في عالم تحكمه شبكات معقدة من التبعية المتبادلة، لم تعد الصراعات المسلحة مجرد شؤون محلية أو إقليمية، بل تحولت إلى صدمات نظامية تعيد تشكيل أسواق الطاقة والتجارة الدولية بطرق عميقة ودائمة. وما نشهده اليوم من صراعين متزامنين – في أوكرانيا والشرق الأوسط – يمثل اختباراً حقيقياً لمرونة النظام الاقتصادي العالمي.
لقد كشفت هذه الصراعات عن ضعق البنية التحتية للطاقة العالمية، وخاصة اعتمادها المفرط على ممرات ملاحية ضيقة مثل مضيق هرمز، حيث يمر ربع النفط المنقول بحراً وخمس الغاز المسال في العالم. كما أظهرت أن تحولات الطاقة، رغم ضرورتها البيئية، قد تواجه انتكاسات مؤقتة عندما تجبر الصدمات الجيوسياسية الدول على العودة إلى مصادر طاقة أكثر تلويثاً مثل الفحم.
لكن الأخطر من كل ذلك هو ما تخلفه هذه الصراعات من تغيرات هيكلية في أنماط التجارة والاستثمار. فإعادة توجيه سلاسل التوريد، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وتجزئة الأسواق العالمية إلى كتل إقليمية متنافسة – كلها اتجاهات تهدد بإلغاء مكاسب عقود من العولمة. والأكثر إيلاماً هو أن أفقر دول العالم، وهي الأقل قدرة على تحمل الصدمات، تدفع الثمن الأغلى عبر ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة وتآكل قدرتها الشرائية.
يبقى السؤال المفتوح: هل ستكون هذه الصراعات مجرد فصول عابرة في تاريخ الاقتصاد العالمي، أم أنها تمثل نقطة تحول نحو عالم أكثر تجزؤاً وأقل استقراراً؟ الإجابة تعتمد إلى حد كبير على مدة الصراعات، ومدى انتشارها، وحجم الدمار الذي ستلحقه بالبنية التحتية وسلاسل التوريد. لكن المؤكد أن أسواق الطاقة والتجارة الدولية لن تعود كما كانت – وأن أمن الطاقة بات اليوم مرادفاً لأمن الدول، بل لأمن الاستقرار العالمي بأسره.



