ترامب يفرض رسوم جمركية بنسبة 50% على سلع كندية بقيمة 20 مليار دولار

من حماية الصناعة المحلية إلى معاقبة التقارب مع بكين.. هل تنهار أقدم شراكة تجارية في القارة؟

كتب أحمد سمير
في خطوة تصعيدية غير مسبوقة منذ عقود، وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 20 يوليوالماضي 2026 ثلاثة قرارات تنفيذية تفرض رسوماً جمركية إضافية بنسبة 50% على واردات كندية تقدر بنحو 20 مليار دولار (حوالى 5% من إجمالي الواردات الأميركية من كندا). اعتمدت الإدارة على القسم 338 من قانون التعريفات لعام 1930.
فيأتي هذا القرار وسط توترات تجارية مستمرة منذ تولي ترامب ولايتة الثانية ،ويستهدف قطاعات محددة رداً على ما تعتبره واشنطن “تمييزاً” كندياً ضد السيارات والمشروبات الكحولية ومنتجات الألبان الأميركية، رغم الإعفاءات على الطاقة والبوتاس والمعادن الحرجة، فإن الرسوم ستطال سلعاً مشمولة سابقاً باتفاقية مما يهدد سلاسل التوريد المتكاملة بين البلدين.
ما يثير القلق بشكل خاص هو أن الرسوم الجديدة لا تستثني حتى السلع المتوافقة مع اتفاقية USMCA،
مما يشير إلى نية أميركية لتجاوز الإطار القانوني القائم وإعادة تعريف قواعد اللعبة التجارية بالكامل. ومع مهلة 30 يوماً قبل دخول القرار حيز التنفيذ في 19 أغسطس، يبقى السؤال الأهم: هل هذه مجرد ورقة ضغط أم بداية حرب تجارية شاملة؟
بين التمييز والانتقام :
برر البيت الأبيض القرار بـ”المعاملة التمييزية” التي تنتهجها كندا تجاه ثلاث سلع أميركية رئيسية: السيارات، والمشروبات الكحولية، ومنتجات الألبان.
قطاع السيارات: تتهم واشنطن أوتاوا بفرض رسوم على السيارات وقطع الغيار الأميركية غير المشمولة باتفاقية USMCA، معتبرة أن كندا تميز ضد المنتجات الأميركية لمصلحة دول أخرى، وتشير البيانات إلى تراجع واردات كندا من السيارات الأميركية بنسبة 22% خلال العام الماضي.
المشروبات الكحولية: يأتي فرض الرسوم في ظل مقاطعة كندية مستمرة للمشروبات الأميركية، حيث أوقفت معظم المقاطعات بيعها رداً على رسوم أميركية سابقة، ووفق البيت الأبيض، تراجعت واردات كندا من المشروبات الكحولية الأميركية بنسبة 81%، أي ما قيمته 582 مليون دولار.
منتجات الألبان: يشكو الأميركيون من نظام “إدارة التوريد” الكندي الذي يفرض رسوماً تتجاوز 300% على الواردات التي تتجاوز الحصص المحددة.
قائمة الاستهداف تكشف طبيعة المعركة الرمزية :
اللافت ليس نسبة الرسوم فقط، بل نوعية السلع. القائمة تشمل النبيذ وعصي الهوكي والأسمنت ومنتجات الألبان وأحواض السباحة والأثاث وصنارات الصيد والبذور والملابس والشعر المستعار، اختيار منتجات مرتبطة بالهوية الكندية مثل الهوكي، ورموز اقتصادية مثل الألبان، يحول القرار من إجراء اقتصادي إلى رسالة سياسية مباشرة للناخب الكندي.
الآلية القانونية – التفاف على المحكمة العليا
يلفت الانتباه أن ترامب استند في قراره إلى المادة 338 من قانون التعرفة الجمركية لعام 1930، والتي تتيح فرض رسوم تصل إلى 50% رداً على ممارسات تمييزية. ويأتي ذلك بعد أن قضت المحكمة العليا الأميركية في فبراير الماضي 2026 بأن الرئيس تجاوز صلاحياته عندما فرض رسوماً سابقة بموجب قانون الطوارئ. وهذا الانتقال القانوني يعكس إصرار الإدارة الأميركية على مواصلة سياساتها الحمائية رغم العقبات القضائية.
التأثير الاقتصادي المتوقععي كندا :
قد يؤدي إلى انخفاض في الصادرات، ارتفاع التكاليف، وتأثير سلبي على النمو الاقتصادي (تقديرات سابقة تشير إلى تأثير يصل إلى 1.5% على الناتج المحلي)، القطاعات المتضررة تشمل الألبان، الخشب، الورق، معدات الهوكي، الأثاث، والإسمنت.
على الولايات المتحدة: زيادة أسعار السلع للمستهلكين الأميركيين، اضطراب في سلاسل التوريد (خاصة السيارات)، ومخاطر تضخمية، رغم أن النسبة تبدو محدودة (5%)، إلا أن التأثير مركز وقوي على قطاعات حيوية.
الورقة الصينية هي المحرك الحقيقي:
التصعيد الأخير لا يمكن فهمه بمعزل عن تقارب أوتاوا وبكين. فقد هدد ترامب صراحة بفرض رسوم 100% على جميع البضائع الكندية إذا أبرمت كندا اتفاقا تجاريا مع الصين. وكرر وزير الخزانة سكوت بيسنت التهديد قائلا “لا يمكننا السماح لكندا بأن تصبح منفذا تُغرق عبره الصين السوق الأميركية بسلعها الرخيصة” ،هذا بعد إعلان رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن “شراكة استراتيجية جديدة” مع الصين تتضمن خفض بكين رسوم الكانولا الكندية واستيراد كندا 49 ألف سيارة كهربائية صينية برسوم تفضيلية.
السياق الأوسع – حرب تجارية متصاعدة:
لم تأتِ هذه الرسوم في فراغ؛ فهي تمثل أحدث حلقة في سلسلة تصعيد بدأت برسوم سابقة على الصلب والألمنيوم والنحاس تراوحت بين 15% و50%، ورسوم 35% على أخشاب الصنوبر الكندية، و25% على قطع السيارات غير الأميركية، وتقابلها رسوم كندية انتقامية بنسبة 25% على صلب وألمنيوم وسيارات أميركية مختارة، كما سبق أن هدد ترامب بإضافة تكاليف حرائق الغابات الكندية إلى الرسوم، ما يعكس توسعاً في سردية التبرير تتجاوز الإطار التجاري التقليدي.

الانعكاسات على الاقتصاد الأميركي:
ارتفاع تكلفة بعض الواردات ومدخلات الإنتاج.
احتمال زيادة أسعار بعض السلع للمستهلك الأميركي.
تعرض الشركات الأميركية المعتمدة على المكونات الكندية لضغوط إضافية.
إمكانية تراجع كفاءة سلاسل الإمداد المشتركة.
احتمالات الرد الكندي
فرض رسوم جمركية مضادة على منتجات أميركية.
اللجوء إلى آليات تسوية النزاعات التجارية.
تعزيز الشراكات التجارية مع أسواق أخرى.
تكثيف التحرك الدبلوماسي لتخفيف التصعيد.
يعكس القرار توجهاً متزايداً نحو السياسات الحمائية.

قد يؤثر في تماسك الشراكة الاقتصادية داخل أميركا الشمالية
الاستثناءات والنافذة الزمنية:
لا تسري الرسوم على الطاقة والموارد الحرجة، وهناك مهلة 30 يوماً (حتى 19 أغسطس) للتفاوض، مما يفتح باباً لصفقات محتملة، هذا يعكس استراتيجية الضغط مع إمكانية التراجع.

في مشهد تجاري دولي يشهد أعمق أزماته منذ عقود، يبدو أن إدارة ترامب تراهن على سياسة “الصدمة والترويع” لإعادة تشكيل العلاقات التجارية مع أقرب حلفائها، لكن السؤال الجوهري الذي تطرحه هذه الخطوة تتجاوز حدود الرسوم الجمركية ذاتها.

إذا كانت واشنطن مستعدة لفرض عقوبات تجارية بهذا الحجم على جارتها وشريكتها التجارية الأكبر، متذرعة بحجج قديمة ومكررة، فكيف سيكون شكل العلاقات الأميركية مع منافسيها الاستراتيجيين في حال تصاعد التوتر؟ وهل تدرك الإدارة الأميركية أن استهداف “الحليف الأقرب” قد يكون طعنة في جسد النظام التجاري الغربي بأسره، يُفقد واشنطن مصداقيتها كشريك موثوق ويعيد تشكيل تحالفات القرن الحادي والعشرين من الداخل؟
في غضون 30 يوماً، سيتحدد ما إذا كانت هذه الرسوم مجرد أداة ضغط للعودة إلى طاولة المفاوضات، أم أنها الشرارة التي تشعل حرباً تجارية شمالية تعيد رسم خريطة الاقتصاد الأميركي الشمالي لعقود مقبلة.

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى