
هل سيطبق سيناريو العراق على إيران؟
بقلم: عيسى سيار *
يتبين من خلال المؤشرات الواضحة للعيان خلال الأيام الأخيرة بالنسبة الى الحرب على إيران، بأن الرئيس الأميركي ترامب يتجه لتطبيق السيناريو العراقي على إيران، بعد ما فشل فشلا ذريعا في تطبيق السيناريو الفنزويلي والمتمثل في قطع الرأس، والذي سيؤدي حتما إلى إنهيار النظام الإيراني من الداخل، وهذا ما لم يحصل، ولعل أهم تلك المؤشرات في تطبيق السيناريو العراقي التصاعد في توجيه الضربات الجوية الجراحية للبني التحتية الإيرانية، والتي من شأنها إحداث دماراً وشللا كبيراً لمختلف مناحي الحياة في إيران بشكل عام، وشل الدعم اللوجستي للحرس الثوري الإيراني،.
والسؤال هنا: هل يريد ترامب من ضرباته هذه تمهيد الطريق؟ وذلك للتيقن بأن الاجتياح البري لن يكن مكلفاً بشريا للأميركيين؟ ومن جهة أخرى هل ينتظر أيضاً انتهاء بطولة كأس العالم لتطبيق السيناريو العراقي في ايران؟ هذا التساؤل وغيره سنحاول تسليط الضوء عليه من خلال تحليلنا لمجريات الأحداث في اطارها الجيواستراتيحي.
لقد بات جليا للقاصي والداني بأن المفاوضات بين أميركا والنظام الإيراني قد وصلت إلى طريق مسدود، وذهب الاتفاق الإطاري أو مذكرة التفاهم في مهب الريح، وذلك لثلاثة أسباب:
1- عدم تحقيق الأميركي الهدف الاستراتيجي من حربه على إيران، وهو تجريدها من إمكانية تخصيب اليورانيوم، وأيضاً تدمير مخزون اليورانيوم المخصب بدرجة 60% أو إرساله إلى دولة ثالثة، وأيضاً الهدفين الآخريين وهما تجميد صناعة الصواريخ الإيرانية البالستية أو تقنين مداها، وأخيراً وقف الدعم عن وكلاء إيران او أذرعها (المليشيات). يضاف إلى تلك الأهداف فتح مضيق هرمز، والذي أصبح على رأس المطالب الأميركية والذي أصبح جوهر المشكلة والعقدة فى المنشار.
2- تمسك إيران بمطالبها التقليدية، وهي حقها الأصيل في تخصيب اليورانيوم وذلك لأسباب وحاجات سلمية. وعدم تنازلها قيد أنملة عن صناعة الصواريخ بالمدايات التي تراها مناسبة لحماية أمنها الاستراتيجي، وبالنسبة إلى توقفها عن دعم أذرعها، فيبدو لي أن إيران أبدت مرونة من تحت الطاولة بالنسبة إلى العراق واليمن، ولكنها تمسكت بذراعها في لبنان لأسباب تكتيكية وليست إستراتيجية.
كما وجد النظام الإيراني ضالته في سيطرته المطلقة على مضيق هرمز، والذي تحول إلى بيضة القبان، وورقة مساومة لا تقل أهمية عن تخصيب اليورانيوم!
3. الثقة تقريبا شبه معدومة بين النظام الإيراني وأميركا وحليفها الكيان الصهيوني، والتباعد في المواقف والمطالب بين الطرفين يصعب على الوسطاء جسرها، حيث وقعت إيران مرتين في فخ التفاوض في عهد ترامب، مرة عندما كانت المفاوضات جارية في مسقط ووقع الهجوم الصهيواميركي بشكل مباغت بينما كان النظام الإيراني يستعد للجولة السادسة، والثانية عندما كانت المفاوضات تجري في جنيف حصل الهجوم الأميركي- الصهيوني على إيران.
وبعد مفاوضات شاقة وعسيرة قادها الوسيط الباكستاني، ثم تشارك معه لاحقا الوسيط القطري.
وبعد مفاوضات ماراثونية مضنية تم التوصل وبشق الأنفس الى توقيع مذكرة التفاهم في سويسرا في يونيو الماضي، إلا انه ومع توقيع المذكرة لم يلتزم الطرفان ببنودها بسبب غياب الثقة بينهما من جهة والتفسير المختلف عليه لبنودها، وخاصة البند الخامس الخاص بمضيق هرمز من جهة أخرى.
ومنذ توقيع مذكرة التفاهم وحتى تاريخة وقعت العديد من المناوشات والمواجهات العسكرية بين أميركا وإيران، والتي عمدت الأخيرة على توجيه ضرباتها لدول الخليج العربي والأردن بحجة ضرب المصالح الأميركية، بينما استثنت من ضرباتها القواعد والمصالح الأميركية في إسرائيل وتركيا وأذرببجان المجاورة لإيران!؟ مما يترك أكثر من علامة استفهام على مصداقية السردية الإيرانية حول سبب ضرب المصالح الأميركية في دول الخليج العربي، والمتمثل في وجود القواعد الأميركية على أراضيها!
من هذا المنطلق وفي ظل الضربات الجوية المستمرة على أهداف حيوية في إيران منذ حوالى عشرة أيام، وفي ظل إعلان الرئيس الإيراني أمس الأول بأن إيران منخرطة في حرب شاملة مع الولايات المتحدة الأميركية، نجد أمام هذه المعطيات بأن ظلال التشاؤم ونذر الحرب الشاملة باتت تخيم على المنطقة.
وهنا نتساءل كما اسلفنا هل يعمل الجيش الأميركي على اضعاف قدرات إيران العسكرية واللوجستية، من خلال ضرب وتدمير أهداف حيوية للحرس الثوري الإيراني؟ وهل ينتظر الرئيس الأميركي انتهاء فعاليات كأس العالم؟
اعتقد من خلال المعطيات والمؤشرات المتاحة، ولعل أهمها ضرب البنى التحتية في إيران ووصول المزيد من طائرات التزويد بالوقود وطائرات الشبح إلى الكيان الصهيوني، مع وجود ما يقارب من 50 ألف عسكري أميركي من مختلف قطاعات الجيش في المنطقة، ويصاحب ذلك تحضيرات صهيونية عسكرية وتهديدات عالية النبرة من كلا الفريقين، كل هذا يشى بأن هناك عملا عسكرياً كبيراً يلوح في الأفق، ما لم تأت إيران إلى طاولة المفاوضات بموافقة واضحة وغير مشروطة للطلبات الأميركية.واعتقد أن زيارة وزير الداخلية الإيرانية أخيراً إلى إسلام آباد تصب في هذا الإتجاه.
وتشير المعطيات إلى احتمال أن يكون العمل العسكري على هيئة إجتياح بري شامل أو محدود للمناطق الساحلية الجنوبية في إيران، تزامنا مع ضرب مراكز القيادة والسيطرة المدنية والعسكرية، وذلك من أجل تقطيع أوصال النظام الإيراني، أملا في احداث انهيارا شاملاً للنظام الإيراني وهروبا جماعياً لقياداته كما حصل في العراق. ويتزامن ذلك مع توقع انتفاضة للجبهة الداخلية الإيرانية يصاحبها إدخال قيادات إيرانية عسكرية ومدنية غربية الهوى على دبابات أميركية. وذلك للسيطرة على الأوضاع والامساك بزمام الأمور وحل كل مؤسسات الدولة العسكرية والسياسية، كما حصل في العراق عندما تم حل حزب البعث والجيش العراقي وكل المؤسسات السياسية والعسكرية.
فهل ينجح ترامب في تطبيق السيناريو العراقي، رغم كلفته الكبيرة على كل الأطراف، بما فيها دول الخليج العربي أم سيصاب بلعنة إيران، كما أصيب من قبله الرئيس نيكسون بلعنة فيتنام 1973 وبايدن بلعنة أفغانستان 2021.
وحتى إن وقعت الحرب، فإن القاعدة الذهبية تقول: إن الحرب في النهاية سوف تقود الأطراف المتحاربة إلى طاولة المفاوضات، ولم تنه أي حرب إلا بمفاوضات.
وهنا نتساءل ما هو نوع تلك المفاوضات المقبلة؟ هل هي مفاوضات المنتصر والمهزوم؟ أم مفاوضات لا منتصر فيها ولا مهزوم؟ إن غداً لناظره قريب. وهذا ما سوف نسلط عليه الضوء في مقالنا المقبل.
* باحث وأكاديمي بحريني
ملاحظة:
حقوق المقال محفوظة للباحث، من يرغب في إعادة نشر المقال له الشكر ولكن من دون إضافة أو تعديل.



