قد حان وقت المراجعة – 5

بقلم محمد حسن العرادي – البحرين

في كثير من الدول والبلدان التي شهدت أزمات سياسية وإحتجاجات صاخبة بسبب الأوضاع الاقتصادية والمعيشية الضنكة، أو بسبب الإنسداد السياسي نتيجة التفرد بالحكم والقرارات السيادية، أو سطوة حكم الأقلية على الأغلبية أو سيطرة مكون واحد على بقية المكونات، دون أن يتيح لهم الحق في المشاركة والتمثيل الديمقراطي المتوازن، فإن الدول الراغبة في الخروج من دوامة العنف والجمود، تعمد إلى إجراء مراجعات وتقييم شامل يقوم على الحوار والتفاهم والتسويات، ويساهم في تصحيح الأوضاع وتعزيز الوحدة الوطنية بما يؤدي إلى إخراج البلاد من أزماتها ويعبد الطريق لتثبيت أركان الحكم الرشيد القادر على إحتواء الجميع وتحقيق المواطنة العادلة.

ولا شك أن بلادنا البحرين التي نحبها إلى حد العشق والهيام، قد شهدت خلال العقود الماضية الكثير من الهزات والاحتجاجات الناتجة عن إنحدار الوضع المعيشي وتراجع مستويات الحياة الإقتصادية بسبب ضعف الامكانات والحاجة الى إعادة النظر في أساليب إدارة الموارد المالية الشحيحة، ووضع الحلول الناجعة للملفات المستعصية مثل البطالة والإسكان والتمييز المبني في أحيان كثيرة على المحسوبيات والمحاباة، وقد تركت تلك الأزمات ندوباً وجراحاً غائرة، تراكمت بسبب عدم التصدي المناسب لحلها حتى تحولت إلى عقبات كأداء تعيق خطط التنمية والتطور الذي تحتاجه البلاد والعباد.

وجاءت قضية فتح سوق العمل على مصراعيه لإستقبال العمالة الوافدة والمهاجرة بدون قيود مناسبة، لتضيف المزيد من الأعباء على كاهل المواطنين الذين صاروا لايجدون فرص العمل المناسبة لهم ولأبنائهم، فإرتفعت معدلات البطالة، وزادت مستويات الفقر، وتراجع دخل الأسرة وقدرتها على توفير العيش الكريم، حتى لجأ الكثير من أبناء البحرين إلى الهجرة والاغتراب في سبيل توفير لقمة العيش الكريم للبحث عن الوظائف والمهن التي تتناسب مع شهادات وتخصصات أبنائهم التي إستولى على فرصها الأجانب، وصاروا يتحكمون في مآلاتها ومخرجاتها، لدرجة أن قطاعات اقتصادية وتجارية كاملة أصبحت بقبضة الجاليات الأجنبية التي تغلبت أعدادها على أعداد المواطنين.

ولا يتعلق الأمر بالوظائف الهامشية أو تلك التي تحتاج إلى مجهودات عضلية أو قدرات وخبرات لايمكن توفيرها بين أبناء البلاد، بل إن قطاعات مهنية واسعة ومؤثرة في الإقتصاد، ويمكن أن تساهم في حل مشكلة البطالة بكثير من الإيجابية، صارت محتكرة من قبل الجاليات الأجنبية، وتكاد تكون محرمة على أبناء البلاد، لا لسبب إلا تحكم العمالة الوافدة وربما بعض الاستثمارات الدولية ورأس المال الأجنبي، في مفاصل القرار والاختيار من خلال السيطرة والهيمنة الكاملة عليها، ومن بين ذلك السيطرة على إدارات التنمية البشرية والشئون الإدارية والمالية في معظم شركات ومؤسسات القطاع الخاص، ما ساهم في تغريبها بشكل شبه كامل.

إن المشاكل والأزمات لا تأتي فرادى، وكلما تردت الأوضاع الاقتصادية وساءت الظروف المعيشية، اشتعلت الأوضاع السياسية واندلعت معها التظاهرات والإعتصامات والإحتجاجات التي قد تتفاقم بشكل غير منضبط اذا وجدت الأرضيات الحاضنة لها، علاوة على التفاعل مع ما يحدث في العالم وخاصة في الدول القريبة، حدث ذلك عندما تأثر الرأي العام بالثورة المصرية عام 1952 والثورة الإيرانية عام 1979، وأخيراً الثورات الملونة أو ما عرف بالربيع العربي 2010/2011 والتي خلطت الكثير من الأوراق وفككت العلاقات الإجتماعية بشكل لم يسبق له مثيل.

إن الخروج من هذه الأزمات والتداعيات لايتم عبر تحمل طرف واحد فقط المسئولية، والحق في وضع خطط الإصلاح وإتخاذ قرارات المعالجة مهما كانت النوايا سليمة وصالحة، وذلك يعود لتراجع الثقة وصعوبة إستعادتها، من هنا فإن الحل يكمن في إطلاق موجات حوار سياسي وإجتماعي حقيقية تستعيد وتعزز الثقة بين كافة الأطراف وصولاً إلى تسويات مناسبة يتوافق عليها الجميع..

ومهما بدت الأمور مستقرة وهادئة ظاهرياً فإن أحداً لايستطيع ضمان عدم انحدار الأوضاع وتراجعها، ما يؤدي إلى إنفلات الزمام وعودة الاحتجاجات والتوترات لسبب أو لآخر، وعليه فإن تثبيت الأمن والاستقرار بحاجة دائماً إلى التفاهمات والتسويات والاتفاقيات التي تلبي حاجة جميع الأطراف ولا تفرض رؤية جهة واحدة فقط، ومهما كانت الموازين غير متكافئة، فإن القوة وحدها غير قادرة على فرض رؤية الطرف المسيطر وصاحب اليد العليا، الأمر الذي يؤكد الحاجة إلى البحث عن التسويات التي تخدم السلم والأمن الأهلي وتسهم في دفع عجلة التنمية المستدامة بنجاح، فهل تشهد بلادنا إطلاق حوارات إجتماعية وسياسية حقيقية وعاجلة تستوعب الجميع، ذلك ما نحتاجه اليوم قبل الغد، فهل إلى ذلك من سبيل؟

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى