
ماذا عن قصف دمشق؟ من اين لإسرائيل هذه الجرأة؟
وماذا عن تهديدات السيد حسن نصرالله وقادة ايران؟
ميخائيل عوض
أن تتجرأ إسرائيل على استهداف مدينة دمشق، وتضرب في كفرسوسة، المنطقة التي لها خاصيات عمرانية وامنية وعسكرية، بعد إن ضربت بالمزة وبقاسيون، ومن غير المستبعد أنها تتحفز للضرب بالمهاجرين والروضة. فالأمر ليس عادي ولا هو في سياق استراتيجيات المعارك بين الحروب، بل يعتبر بكل المقاييس مجاوزة للخطوط الحمر. فهو أشبه بإعلان حرب أو القول إن ن إسرائيل جاهزة للحرب ولا شيء يمنعها من أن تبدأها وقد تبدأها حالما أرادت ذلك.
خطورة القصف إضافة إلى مكانه أيضاً جاء في زمان دقيق، فتم عشية الإعلانات المكثفة عن وصول طائرات سوخوي 35 الروسية لإيران، والتي تعتبر من الجيل الخامس، وقيل إنها تخل بالتوازنات الاستراتيجية الاقليمية، وبعد أن كشف الحرس الثوري عن قاعدة جوية في بواطن الجبال، واعتبرت أيضاً حدث عسكري نوعي غير تقليدي، ويجري الحديث عن المسيرات الإيرانية وحاملاتها البحرية وعن الصواريخ الأهم والأكثر دقة في جيوش العالم، بما في ذلك الفرط صوتية للتي أنتجتها إيران، واللافت أن العملية جاءت بعد الإعلان عن استهداف ناقلة نفط إسرائيلية في الخليج بطائرة إيرانية مسيرة، وبعد يوم على استهداف قاعدة أميركية في سورية بالصواريخ وبعد يومين من تهديد السيد حسن نصرالله ومجاهرته أن إسرائيل ربيبة أميركا والغرب ستدفع ثمن محاولات هز استقرار لبنان واستهداف المحور ودوله بحروب التجويع والحصارات والعقوبات وافتعال الأزمات والفوضى، وتعطيل جهود لبنان للاستثمار بثرواته البحرية، بينما إسرائيل استغلت الترسيم وبدأت ببيع النفط والغاز من كاريش غير آبهة بشيء وكأنها مطمئنة.
ومن الأمور اللافتة، التي ترسم الكثير من إشارات الاستفهام أن العدوان غير التقليدي في استهدافه، وزمنه، يقع والحديث يتصاعد في إسرائيل نفسها عن خطر الحرب الأهلية بين قبائلها، والتحذيرات من أزمة اقتصادية عاصفة فيها جراء رحيل وهجرة رؤوس الأموال والاستثمارات ونزوح شركات الهاي تك.
وفي حالة تتسارع فيها فرص واحتمالات جولة عنف قاسية مع غزة مع تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية على الأقصى، وعلى الفلسطينيين في الضفة واراضي ال48 والتحذير من انفجار في شهر رمضان جار على كل لسان.
في الأمر والأحداث الجارية أسرار، ومعطيات عميقة ونوعية، من غير المجدي استطلاع آفاق التطورات المستقبلية إذا لم يتم كشفها، وأو التعامل معها بفطنة وواقعية شديدة لاحتساب فواعل التطورات الجارية وموازين القوى في مسرح الأزمة وبلدانها ومجتمعاتها، وأيضاً في واقع التحولات العالمية العاصفة الجارية على كل الأصعدة، لا سيما الحرب الأوكرانية والتحشيد فيها والحديث عن هجومات الربيع من قبل أوكرانيا، كما يفترض خبراء أو العكس من قبل روسيا كما يرجحها خبراء آخرون. ناهيك عن عصف الأزمات الاقتصادية المتمادية في الاقتصاد الأميركي الأوروبي، والتوترات بين الصين وأميركا وعراضات الصواريخ الكورية الشمالية.
ماذا في المعطيات؟
– اسرائيل مأزومة حتى الثمالة وتعرف أن أيامها العادية باتت معدودة، وترصد الكلام عن أن محور المقاومة بات قاب قوسين من استكمال الإعداد لجولة عنف واسعة قد تودي إلى حرب اقليمية توصف بأنها يوم القيامة، تزال فيها إسرائيل من الوجود وتتبدل كل المعطيات الأوزان والتوازنات في الاقليم وأبعد إلى العالم، وتحت ضغوط أزماتها الكيانية والبنيوية والعجز في مواجهة الانتفاضة المسلحة في الضفة واراضي ال٤٨ وتصاعد قوة ايران والفصائل خاصة في لبنان وغزة واليمن، سترتكب حماقة وتقدم على مغامرة قاتلة يحفزها إليها حكومتها المتطرفة واليمينية الدينية غير العاقلة ولا القادرة على معرفة الواقع واحتساب موازين القوة بعقلانية.
وبكل حال هي تعتمد قاعدة الهجوم أفضل وسائل الدفاع، وانتزعت من المحور استراتيجية المعارك بين الحروب وتبادر، فلماذا تنتظر محور المقاومة واستعداداته ليقرر هو متى وكيف وأين تبدأ الحرب، وبحسب هذا الرأي فالمحور لن ينجر للرد القاسي اللاجم وسيتحمل حتى تصبح الأمور جاهزة والعدة كاملة ليكون ما يريد..
فالمعارك بين الحروب والحروب السرية والاستنزافية جارية ومستمرة، ما لم يتسبب حادث بتطورات عاصفة فتطول الحالة الجارية وتتماظى إسرائيل باعتداءاتها.
– إسرائيل تراهن على أن المحور سيبقى في الدفاعية وفي استراتيجية الصبر والبصيرة، وسيقبل تلقي الضربات ما دامت غير كاسرة، وسيحاول الرد بالحرب السرية والسيبرانية وبتنشيط الفصائل في الضفة وفلسطين ال48، وبالتهديدات وباستعراض القوة والكشف عن مزيد وجديده من القواعد والإنتاج الحربي، ما قد يفي بالغرض ويعقلن إسرائيل، وقد يدفع حلفائها والأطلسي للضغط عليها ويحول دون وقوع حرب قد تكون مدمرة على الجميع، بينما الزمن يعمل لصالح محور المقاومة إن كان في تصاعد الصراعات والأزمات في إسرائيل أو مع الفلسطينيين وقدرتهم على الصمود، وتطوير وسائل ومسارح إرباك واستنزاف إسرائيل، وأيضاً حرب أوكرانيا وتطوراتها تؤشر إلى تراجع قوة وقدرات أميركا والأطلسي، وهذا ينعكس في غير صالح إسرائيل وحلفائها في العرب والاقليم. وتستمر إسرائيل بناء لذلك في توجيه الضربات ورفع منسوبها وفرض قواعد اشتباك على ما تقرره هي، فبعد المرافئ والمطارات والبنى التحتية المدنية بدأت في العاصمة دمشق، وفي المناطق السكنية والأمنية، فمن غير المستبعد أن تكون إسرائيل قررت جعل سورية رهينة، ومفشة خلق ومسرح الرد على تهديدات قادة المقاومة وإيران ورد على العمليات في الحرب السرية واستهداف المصالح الإسرائيلية في البحر، أو بتصعيد العمليات الفلسطينية في الداخل، واستهداف القواعد الاميركية شرق الفرات، وقد تزاحمت الأزمات في سورية وزادتها حدة الكارثة الطبيعية والزلزال المدمر وتنشغل سورية في ترميم جراحها واحتواء الكارثة والأزمات، الأمر الذي يشجع إسرائيل على تنفيس احتقاناتها والتمادي في استنزاف سورية لاحتوائها أو أخرجها من المحور وتدمير قدراتها الباقية.
ماذا في المستقبل واحتمالاته؟
1- الحرب أرجح الاحتمالات، وإذا لم تتسبب بها ردود المقاومة العاصفة واللاجمة، وإذا لم يبدأها المحور لأسبابه وحساباته، فمن غير المستبعد أن تفرضها إسرائيل تحت ضغوط أزماتها وما يهددها بالانفجار والاستنزاف في بنيتها وصراعات قبائلها وأو مع الفلسطينيين، وبعد إن فشلت كل الخطط والجهود والتطبيع والتسويق الإعلامي، وبما أن المعارك بين الحروب والكارثة الطبيعية لم ولن تسقط سورية والزمن لا يعمل لصالح إسرائيل، فيصير الأمر مغريا لتشن إسرائيل عملية عسكرية عاصفة واسعة لتدمير ما تبقى من بنى وقوة في سورية، وبذلك تأمل بكسر أهم وأخطر حلقات مقاومة واسقاط مشاريع تصفية القضية الفلسطينية منذ بدأت مسارات الاتفاقات والتطبيع حتى اللحظة، وكان لسورية الدور المحوري في المواجهات وفي إطلاق خيار المقاومة الذي أصبح محوراً فاعلا نوعياً.
إذا فعلتها إسرائيل كيف سيكون الرد وأي جبهات ومسارح ستشارك فيها؟ هذه متروكة للحدث ذاته وإن كان وعد المحور وقادته أن تفتح أبواب جهنم وأن ينخرط الكل، وأن تحرر فلسطين ونصلي في القدس وتزال الغدة السرطانية.
2- من غير المستبعد أن يفعل محور المقاومة ويضع وعد السيد حسن نصرالله للثأر لقاسم سليماني بتصعيد وتكثيف استهداف الوجود الأميركي في سورية والعراق، وصولاً إلى إلزام أميركا بتفكيك قواعدها والانسحاب، وكان السيد حسن نصرالله قد اعتبرها مهمة انجازها قد يودي إلى تحرير فلسطين بلا حرب، وإذا أنجزت فتكسر حروب التجويع والحصار وتفتح أوتوستراد بيروت دمشق بغداد وصولاً إلى موسكو وبكين، فتستمر حالة الاشتباك الجارية بوتائر منخفضة وبالواسطة وعلى امتداد الساحات وعبر فروع الحرب المختلفة وتعصف ضد القواعد والوجود الأميركي.
3- أن تستدعي حالة التسخين والاعتداءات الإسرائيلية والتهديدات وعراضات القوة واحتمالات الرد والحرب همم دولية واقليمية، وأن تجري عملية تنشيط للدبلوماسية وتفعيل دور وقرارات مجلس الأمن والبحث عن مخارج وتهدئة فيعاد تعويم مشروع التفاوض والسعي إلى تسوية دائمة للصراع، تستجيب شكلا للاستراتيجية السورية التي دعت لسلام دائم وعادل وشامل.
بمعنى أدق تنشيط دبلوماسية عالمية، ومن وسطاء جدد، يتشارك فيها الأطلسي مع اوراسيا تستهدف مقايضة الجوع والافقار والاستنزاف بالمعارك بين الحروب، بعرض تسوية في الجولان ومزارع شبعا وتلال كفر شوبا اللبنانية، وتسوية في الضفة الغربية تقوم على تعويم السلطة الفلسطينية مع صيغة حاضنة من مصر والأردن، وربما تلزيم الأردن الأمن في المعازل التي فرضتها إسرائيل بتهويد الضفة، وتسمى دولة فلسطينية بلا حدود وسيادة، فالأهم هو تأمين سورية وانتزاعها من موقع المقاومة ومحورها، وهي وحدها كانت السبب والفاعل بتعطيل وهزيمة كل المشاريع التي مورست لتصفية القضية الفلسطينية. وبعض الرهان والأوهام التي يجري تسويقها تفترص أن سورية المدمرة بالحرب والمستنزفة بالمعارك بين الحروب وبتنشيط القوى والجماعات الارهابية، والمصابة بالكارثة والمازومة اجتماعياً واقتصادياً باتت في وضع قد تقبل فيه التوقيع والتطبيع والتخلي عن القضية الفلسطينية وتتراجع عما كانت تشترطه في المفاوضات سابقاً.
واذا انخرطت سورية في التسوية والتطبيع فلا يعود لإيران والفصائل أهمية أو قيمة أو دور في الصراع العربي- الإسرائيلي، وعندها تسهل إمكانية تفكيكها ونقل الأزمة والحروب إلى قلب قلعتها إيران، وقد بدأت عمليات التأهيل والاستطلاع بالنار والاختبارات العملية. كما يسهل على إسرائيل ورعاتها وتحالفاتها العربية والإسلامية والعالمية إجهاض القضية الفلسطينية بتبريد الضفة، وتصفية المقاومة في فلسطين ال48 وانجاز توطين اللاجئين.
كيف ستسير الأمور في المستقبل القريب والمتوسط، ما زلنا نرى الاشتباك والحرب هو الاحتمال الأرجح، بينما احتمال انتزاع سورية من المحور بضربة عسكرية وأو بعرض مغر لتسوية وتطبيع مستبعداً، فالصحيح أن سورية متعبة ومنهكة ومازومة ومدمرة وأيضا هذه ظروف ومعطيات تدفعها لرفض الاذلال الوطني والقومي وكسر ارادتها واخراجها من قيمها فسورية بلا عروبتها ومقاومتها الأبدية لن تكون سورية، بل لن تبقى ومن يوقع سيقتله حاجبه، كما أنبأنا اوصى الرئيس المرحوم حافظ الأسد ووعد بأن الأجيال الآتية ستكون أكثر وطنية وقومية ومقاومة.
وليس لسورية ما تخسره بعد كل خسائرها من حرب تذر ولا تبقي ومهما كانت قاسية، فستكون على إسرائيل وحلفائها بمثابة الزمن الأخير، فما الحكمة بأن تستسلم وتوقع على صك عبوديتها الأبدية.
كيفما سارت الأمور واتجهت، فالخلاصة الذهبية، أن الصراع العربي- الصهيوني لم يعد يحتمل الإطالة والمراوحة في المكان وتعطيل الحلول، ومن غير المنطقي ألا تكسر حالة الاستعصاء القائمة، ولا يكسرها إلا تطور نوعي وجذري أما بالتسويات أو بتصعيد المواجهات.


