
مصر ومجالس الحذر، حسابات القاهرة بين اللإلتزام ومخاطر الإنخراط، هل تفتح القاهرة باب التصعيد العسكري؟
وديعة ب5.3 مليار دولار وقناة السويس تنتزع أنفاسها، وهجمات حوثية طالت مطارات السعودية، القاهرة تؤجل التدخل العسكري إلى جلسة 26 أكتوبر الجاري وسط تصاعدات للهجمات الحوثية، حسابات الأمن القومي تتقاطع مع فاتوة الحرب، هل قرار التأجيل تكتيك دستوري، هروب من فخ اليمن؟ تأجيل التفويض للسعودية حنكة سياسية أم تنصل من أثمان المواجهة؟
كتب أحمد سمير
التأجيل ليس ترفًا برلمانيًا… بل حساب دم ومال:
في سابقة نادرة، وجد مجلس النواب المصري نفسه أمام لحظة تاريخية،تفويض رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي بإرسال قوات مسلحة إلى السعودية إذا طلبت الرياض ذلك، لكن بدلًا من الحسم، رفع المجلس جلسته إلى 26 أكتوبر الجاري،ليست مجرد جلسة تأجلت، ما حدث في مجلس النواب يوم 19 أكتوبر هو رسالة سياسية بامتياز، عندما يقرر البرلمان برئاسة المستشار هشام بدوي تأجيل التصويت على طلب تفويض الرئيس عبد الفتاح السيسي لإرسال قوات عسكرية إلى الخارج لمساندة السعودية والدفاع عنها إلى يوم الإثنين 26 أكتوبر، بعد جلستين متتاليتين يومي 18 و19 أكتوبر، فنحن أمام تردد محسوب، وليس إجراء تنظيمي.
بعد إنعقاد جلسات سرية استمرت حتى الخامسة مساءً، وشهدت طلبات مشاركة من مئات النواب. رسميًا، الأسباب إجرائية: «كثافة طلبات النواب» وانشغال المجلس بـ«منتدى مصر 2026»، لكن تحت السطح، التأجيل يخفي معادلة أعقد: مصر تريد أن تدفع ثمن أمن الخليج، لكنها لا تريد أن تدفع فواتير اليمن مرة أخرى. فالتفويض، إذا مرّ، لن يمنح السيسي «شيكًا مفتوحًا» فحسب، بل سيشعل جدلًا حول حدود السيادة المصرية، وتكلفة أي مغامرة عسكرية في ظل اقتصاد يئن.
فتصاعد التهديدات التي تستهدف الأراضي السعودية والمنشآت الحيوية، وفق المعطيات المطروحة، لا يضع الرياض وحدها أمام تحديات أمنية، وإنما يثير أسئلة مباشرة حول أمن الخليج، واستقرار طرق التجارة والطاقة، ومستقبل الملاحة في البحر الأحمر، وانعكاسات أي تصعيد على المصالح المصرية، وفي مقدمتها أمن قناة السويس.

وفي هذا السياق، يكتسب تأجيل التصويت إلى 26 أكتوبر أهمية سياسية تستحق التحليل، لكن لا يجوز اعتباره دليلًا، بمفرده، على وجود خلاف مصري سعودي أو تراجع عن دعم المملكة؛ فالتأجيل قد يرتبط بحسابات إجرائية أو سياسية أو أمنية، ولا يمكن تحديد دوافعه دون معلومات موثقة عن مناقشات المجلس وموقف الحكومة.
المعضلة الحقيقية أن التضامن العربي لا يُقاس بالشعارات وحدها، كما أن حماية الأمن القومي لا تعني بالضرورة الدخول في حرب مباشرة، فالقاهرة مطالبة بالموازنة بين دعم السعودية، والحفاظ على حرية قرارها العسكري، ومنع اتساع دائرة الصراع، وتجنب دفع أثمان اقتصادية وأمنية قد تمتد لسنوات.

الرياض تتعرض لهجمات حوثية بالصواريخ والطائرات المسيرة تستهدف مطارات ومنشآت طاقة ومواقع عسكرية، والبرلمان المصري يقول: ليس الآن، هذا التأجيل الثاني يكشف أن القاهرة لا تريد أن تُجر إلى حرب بالوكالة بلا ثمن، ولا تريد أن تظهر كقوة احتياط تُستدعى ببيان، التأجيل هو تفاوض صامت على الدور والثمن والحدود.
بل هو تجسيد صارخ لمأزق الإرادة والتردد؛ فبينما تحترق سماء الملاحة في البحر الأحمر وتكتوي المنطقة بنيران الهجمات اليمنية، تختار القاهرة إبطاء الخُطى والتحسب الحذر، لتضع حلفاءها وأعداءها على حد سواء أمام علامات استفهام حارقة حول مدى جدية شعارات “الأمن القومي العربي خط أحمر”.
لتضعنا العديد من الأسئلة أمامها في محاولة لترجمة الموقف المصري:
هل تبقى مصر حارسًا للالتزامات العربية التقليدية، أم تزن كل خطوة عسكرية بميزان التكلفة الاقتصادية والمخاطر الأمنية في البحر الأحمر؟ القرار المؤجل ليس مجرد تصويت برلماني؛ إنه اختبار لقدرة الدولة المصرية على الموازنة بين التضامن الخليجي وحماية مصالحها الحيوية في وقت يشتد فيه الصراع الإقليمي.؟
وهنا يبرز السؤال المركزي: هل يتجه الملف نحو صيغة دعم عسكري محددة بضوابط واضحة، أم أن التطورات الإقليمية تدفع نحو إعادة تعريف أوسع لمفهوم الدفاع العربي المشترك؟

هل التأجيل استعداد ديمقراطي أم مناورة لإعادة تسعير الموقف؟
كيف يمكن ترجمة مفهوم الأمن القومي العربي إلى مواقف عملية، دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة قد تتجاوز أهدافها المعلنة وتفرض على المنطقة بأكملها حسابات جديدة؟
لماذا تأجيل تصويت يبدو محسومًا لصالح السلطة، في ظل أغلبية برلمانية موالية تبلغ 403 مقاعد من أصل 568 منتخبًا؟
التأجيل: غطاء إجرائي لحسابات سياسية وأمنية
التأجيل الرسمي لم يكن مفاجئًا لمن يتابع كواليس البرلمان. رئيس لجنة الشؤون العربية، اللواء محمد أبو هميلة، برر القرار بأن «الوقت المخصص للمداخلات لم يكن كافيًا»، وأن طبيعة القرار «تستدعي مناقشة مستفيضة» لارتباطه بإرسال قوات خارج البلاد. لكن الإجراء الدستوري نفسه يفرض كوابح: موافقة ثلثي أعضاء المجلس (أي 398 صوتًا من أصل 596) ضرورية قبل أي مهمة قتالية خارج الحدود. هذه العتبة تجعل التأجيل فرصة لضمان «تفويض مريح» لا مجرد أغلبية بسيطة. كما أن التأجيل منح الفرصة لحزب «مستقبل وطن» وحلفائه لإعادة ترتيب الصفوف، بينما ظهرت أصوات معارضة داخلية، مثل الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي الذي وجه نوابه إلى الامتناع، محتجًا بعدم وضوح أهداف المهمة ومدتها وتكلفتها. إذن، التأجيل ليس ضعفًا، بل إدارة للانقسام تحت قبة البرلمان قبل التصويت على «دم الجنود».



