الزمن أدار ظهره لإسرائيل وفلسطين على موعد قريب مع التحرير

تقرير سياسي:

إسرائيل في أيامها المعدودة العادية
الزمن أدار ظهره لإسرائيل وفلسطين على موعد قريب مع التحرير

ميخائيل عوض

الوقائع والدلائل:

فيما كتبنا من تقديرات وتقارير وتحليلات أخيراً كنا أكدنا بحزم أن حدثاً زلزالياً سيقع لتتويج أحداث قرن بحروبه وتطوراته الانفجارية وانهاء مظاهره وتشكيلاته الجغرافية والسياسية والاجتماعية، ورجحنا فلسطين موطنه واستطلعنا السيناريوات والاحتمالات، وتوقعنا أن يتسبب المستوطنون والمتطرفون الإسرائيليون بإشعال عود الثقاب في صاعق التفجير.
فقد ضربت اسرائيل أزمات زلزالية تكوينية أعجزتها عن انتاج حكومة مستقرة منذ سنتين بأربع انتخابات للكنيست في دلالة على شيخوختها وعجزها عن تجديد مشروعها ووظائفه.
اختل التوازن في بنيتها لصالح التطرف والاستيطان وتراجع تيار السلام والعلمنة بفعل هجرات معاكسة شملت أكثر من مليون من ابناء الطبقة الوسطى العلمانيين من لأشكيناز، فاختلت بنيتها لصالح التدين والاستيطان والعنصرية المتوحشة.
فسدت طبقتها السياسية وكرس نتنياهو نفسه ملكها وجعلها في خدمته الشخصية ورهنها لنزعاته ومصالحه.
انتفت كل اسباب وعناصر قوتها التكتيكية والاستراتيجية وترتهب من حزب الله ومن الجبهة الشمالية، وتعجز في مواجهة طائرات غزة الورقية وبالوناتها الحارقة وتستجدي قطر لتمويل التهدئة وحكومة حماس.
فقدت آخر انصارها في واشنطن بسقوط ترامب بعد أن أعطاها كل ما تسطيعه أميركا، فنقل السفارة الى القدس واعترف بضم الجولان وكاد يعترف بضم الضفة الغربية، وأجبر نظم وأسر على التطبيع والتحالف، ألا أن يهود اميركا خذلوه وتسببوا بانتصار بايدن، وإدارة بايدن لم تعد ترى في إسرائيل استثماراً رابحاً بل عبئاً ثقيلاً تريد أن تتحرر منها لتعيد صياغة مشروعها الشرق أوسطي بعد هزائمها وأزماتها وصعود أوراسيا.
أوروبا مأزومة وعاجزة، تقلصت قدراتها وقوتها، ومهدد اتحادها بالتفكك وتفكيك وحداتها الوطنية، “فرنسا على عتبة حرب أهلية بحسب بيانات كبار الضباط والنخبة الفرنسية”.
أوراسيا الصاعدة بقطبيها روسيا والصين غير معنيتان وليست قادرتان ولا مصالح لهما في تبني المشروع الإسرائيلي وتحمل كلفته المهولة.
الفلسطينيون فقدوا كل أمل بالتفاوض والاتفاق وبوعود الدولتين، وسلطة أبو مازن انتفت أسباب وشروط بقاءها وتحكمها.
حلف المقاومة تصاعدت قدراته وقوته، وإيران أذلت أميركا بالحروب وبالملف النووي، وردت على الاعتداءات الاسرائيلية وباتت يدها العليا في حرب السفن والحرب السيبرانية والحرائق، وسورية اصبحت جاهزة للاشتباك بشهادة صاروخ الدفاع الجوي أس 200 الشارد والمنفجر بالقرب من ديمونا.
الأردن مأزوم ينتظر شرارة الانفجار، ولبنان في حالة افلاس وفوضى، والسعودية خسرت حروبها وتلوذ بالتفاوض مع ايران والعودة الى سورية. ومشروع أردوغان مأزوم وقابل للانفجار فيطلب التفاوض مع مصر والسعودية.
جائحة كورونا ضربت الجميع وغيرت في التوازنات وقواعد الانتظام والتشكيلات الاجتماعية والاقتصادية، ودول الاقتصاد الليبرالي الاكثر تأزماً وتضرراً وإسرائيل في طليعتها.
المسرح جاهز تماماً للعرض، وقد أطلق المستوطنون جرس البدء في باب العامود وحي الشيخ جراح وفي الأيام العشر الأخيرة لشهر رمضان، المصادفة لآخر أيام الجمعة المقرر أنها يوم القدس بفتوى الخميني منذ 42 سنة.
فنتنياهو راغب بإحداث توترات وتصعيد العنصرية لإعادة تجميع قواه في انتخابات خامسة، فأطلق يد المستوطنين لاستعداء الكتلة العربية التي تحولت الى بيضة قبان التوازنات السياسية في إسرائيل وانتخاباتها وتشكيل حكوماتها.
كل الشروط والأسباب والموجبات والظروف كانت تستدعي حدثاً زلزالياً وأكثر المسارح جهوزية تحضيراً الصراع العربي الإسرائيلي، محور الحدث الاوسطي والعالمي لقرن مضى على وعد بلفور، وتقسيمات سايكس بيكو قد انفجرت الجغرافيا والنظم ويتأزم الباقون، فبحسب الخلدونية إعمار النظم والإمبراطوريات بين 60 و70 سنة قد هرمت جميعها وفقدت وظائفها وادوارها، وتستلزم أحداثاً عابرة وجزئية لانفجار من بقي منها.

في التحليل
الامر الأكثر أهمية على الاطلاق هو انخراط فلسطينيو الـ48 منذ عام 2014 بالانتفاضة والمقاومة، بل تحول عتلة ومحور القضية الفلسطينية في يدهم لا في يد اللاجئين كما كان حتى رحيل منظمة التحرير عن بيروت، ولا في الضفة بعد اتفاق أوسلو، ولافي غزة بعد تحريرها 2005 وأن تصبح القوة المحورية في النضال الوطني الفلسطيني أراضي الـ48، يعني أن القضية عادت إلى جوهرها كقضية حق وطني وقومي لا يمكن ردمها أو انهائها في أي حال أو ظرف.
سلسلة الانتفاضات منذ 2014 كانت تشتعل الشرارة في القدس أو في مدن وتجمعات فلسطيني الـ48، وقد سبق أن قدمت أم الفحم ارهاصات ودلائل لم يتنبه لها الكثيرون، فقبل أسابيع تظاهرت أم الفحم أنزلت عن بلديتها علم إسرائيل ورفعت علم فلسطين وبعدها فعلتها اللد.
جاءت أحداث الحرم وباب العامود ثم حي الجراح بلسماً وناراً لإشعال الحقل اليابس والأيام العشر من رمضان وفي ثاني الحرمين.
فهبت فلسطين 48 وانتصرت للقدس ما احرج غزة ووضعها أمام فقدان دورها، فبادرت الى التحذير ثم الانذار فالدخول على خط الاشتباك وتصعيده فغزة مدينة اللاجئين أكثر من 70 بالمائة من سكانها لاجئين، على عكس الضفة الغربية التي لا تزال متلكئة وغزة فقيرة ومحاصرة وليس لها ما تخسره، ففي غزة توازن قلق بين حماس وتحالفاتها الاخوانية مع قطر وتركيا والجهاد والفصائل التي تمثل، امتداداً للحرس الثوري وحزب الله وسورية، وإن لم تتقدم حماس فالجهاد جاهزة وأعدت عدتها، وحلف المقاومة يسعى الى جولة عنف، وهكذا بدأت أهم حرب في صناعة مستقبل فلسطين والإقليم، وكشفت الاشتباكات عجز اسرائيل وانكسار قوتها ووبال جغرافيتها وفشل قبتها، بينما تفوقت غزة وضربت بالعمق وعطلت الحياة والطيران واستهدفت الغاز ومنصاته والمطارات والعمق.
انفجرت تجمعات فلسطيني الـ48 وسيطرت على اللد وبئر السبع وأم الفحم والكثير من الاحياء والقرى، حيث الغلبة للفلسطينيين، ما أحدث شرخاً عميقاً في اسرائيل وغير من الكثير من عناصر انتظامها واستقرارها وتفوقها.
الجولة الجارية من حرب حقيقية متعددة الوسائط والأبعاد والفروع حققت بأيامها الستة تحولات جوهرية لترسم ملامح لسيناريوات مستقبلية، في جلها لصالح الفلسطينيين والعرب وحلف المقاومة منها على سبيل المثال لا الحصر، تحولت فلسطين 48 الى عتلة ومحور القضية الفلسطينية وتطوراتها، وهذه تسقط كل ما سبقها من محاولات تغتيت الفلسطينيين وتحويل قضيتهم الى ثانوية، واعادت صياغة القضية الفلسطينية كقضية حق وطني وقومي لا يمكن تجاهلها. وبذلك سقطت حروب وجهود وتمويل وتحالفات لسبعين سنة سبقت.
– حقق فلسطينيو المقاومة في غزة معجزات واعجازات وحولوا اسرائيل وتقنيتها وسلاحها وتفوقها الى خردة لا قيمة لها إلا قتل وقصف المدنيين وتدمير الابنية والأبراج، بينما صواريخ ومسيرات المقاومة ضربت بإتقان ودقة واصابت واستهدفت البنى التحتية والمطارات والمصافي وخطوط نقل الغاز ومنصات استخراجه، وعطلت الحياة في كل فلسطين وتكبدت اسرائيل خسائر مهولة اجتماعية سياسية واقتصادية وفي استقرارها.
– كشفت حقيقة أن إسرائيل لم تعد حاجة وأولوية لأميركا وأوروبا، واللافت أن أميركا سحبت 120 من خبرائها العسكرين، وأنذرت مواطنيها ودعتهم للحيطة وللرحيل في دلالة هامة جداً على عكس ما كائنته في الحروب من امداد اسرائيل بالذخائر والاسلحة واطقمها، واسقطت كل التفاهمات والتفاوض والتطبيع والتحالفات فالحرب في فلسطين وساحاتها وعمقها.
– اعلت يد غزة والمقاومة وجعلتها المهيمنة والقادرة على التحكم بمسارات الحرب، وتالياً صناعة واستثمار نتائجها، وفي كليتها ليست في صالح اسرائيل.
– فجرت وستفجر تناقضات المجتمع الإسرائيلي، وستجعل الانشغال المحوري في قادم الايام بمحاولات ترميم الانقسامات والازمات.
– جعلت فلسطيني 48 اسياداً قادرون ولهم حضور وازن، ولن تمر هدن او تفاوض أو تسويات إلا بما يحقق مصالحهم ويعلي دورهم ومكانتهم.
– ستعزز نزوع الهروب للمستوطنين والعودة الى بلادهم الأصلية، فأكثر من خمسين في المئة من اليهود لهم جنسيات أخرى.
– فتحت الصراع العربي الاسرائيلي على عتبة حقبة جديدة نوعية غير مسبوقة، وفتحت الاقليم على تحولات نوعية تتغير معها الأوزان والقوى ومن غير المستبعد الجغرافيا والنظم.

في الاحتمالات والسيناريوات
أربع منصات تملك أربع مفاتيح ذهبية تتحكم بمسارات الاحداث الجارية ومستقبلها.

١-الضفة الغربية التي لا تزال متلكئة عن دورها ولم تنتفض، فإن فعلتها تسقط حكومة أبو مازن وتضع سلاح واجهزة السلطة بين يدي المقاومة وتحاصر المستوطنات وتسقط الحواجز والمعازل، فتصنع اختلالاً فاضحاً في ميزان القوى لحماية فلسطيني الـ48 وصناعة ميزان قوى لصالح المقاومة بالمطلق، فانتفاضة الضفة تحاصر إسرائيل من الداخل وتضعفها وتعطل جيشها واسلحتها ومستوطنيها، ومن غير المستبعد أن تدفعها إلى الانسحاب من الضفة والانكفاء الى فلسطين الـ48، وتفتح كل بوابات وصول السلاح وتصنيعه وللإنفاق والمسيرات والصواريخ.

2-الأردن، إن حركته الوطنية وشعبه مأزوم، والفلسطينيون أكثر من 60 في المائة من الأردنيين، والازمة الاجتماعية طاحنة وطول الحد 370 كيلو متر، والسكان والعمران متصلان على عكس غزة، فالحراك الجاري في الأردن إذا تطور سيغير في الحال والتوازنات والنتائج كمثل مفتاح الضفة.

3-القاهرة والشعب المصري، طرد السفارة واسقاط كامب ديفيد وفتح الحدود مع غزة يغير من التطورات برمتها، ويمكن غزة من الصمود وتعزيز الضربات ومستواها، وربما الانتقال الى الهجمات البرية التحريرية للمستوطنات ومدن غلاف غزة.

4-قوى وفصائل المقاومة خاصة في جبهتي الجولان وجنوب لبنان، الجهوزية على أكمل وجه، وربما يكفي موقف واطلالة للسيد حسن نصرالله مع انذار لوقف قصف المدنيين في غزة ووقف اعتداءات المستوطنين على المواطنين العزل في مدن الـ48، وموقف واضح من القيادة السورية بنفس المضمون والاتجاه.
وعلينا ألا نستبعد دفع قوة من الجولان أو الجنوب لرفع علم فلسطين على مستوطنه أو أكثر لتنهار البنية الداخلية الإسرائيلية، وتعجز اسرائيل عن توزيع قوتها على غزة والضفة وفي الـ48 ومع جبهات أخرى.
أي المفاتيح سيدور أولاً؟ في الاقفال هذه تقررها الساعات والايام القادمات وان دارت معاً أو دار أحدها سيكون تحرير فلسطين راهن ومسألة وقت قصير.

ما لم تدور المفاتيح في اقفالها فالاحتمالات وسيناريواتها ستسير على ما يلي:

الاحتمال الأول: حراك دولي إقليمي، وتفاوض وتهدئة على قواعد اشتباك جديدة،
يرجحه انهاك متبادل اسرائيلي وغزاوي يستعجل التفاوض.
الحاجة المصرية والخوف من نتائج استمرار الاشتباك في تفجير وإرباك نظم الإقليم، لا سيما مصر والأردن ودول التطبيع، وانهاض حراك شعبي عربي تحت عناوين وشعارات وطنية وقومية تتفاعل مع أزمات الانهيار الاقتصادي والاجتماعي.
توازنات غزة، فحماس تميل الى التهدئة ووقف الاشتباك، وكذلك حليفتيها تركيا وقطر، والهدنة تمكن حماس من حصد النتائج السياسية والدبلوماسية والمالية للحرب.
تتقاطع المصالح العالمية والاقليمية عند وقف الاشتباك وترتيب هدنة مديدة، فروسيا ترغبها واميركا والاتحاد الأوربي والخليج.
ومن المتغيرات التي ستحققها الهدنة إضعاف اسرائيل وتخفيف أو فك الحصار عن غزة، وتأمين الحد الادنى لحماية مواطني الـ٤٨، ووقف الاستيطان في الضفة وعودة التفاوض بجدية وبرعاية رباعية وبدور محوري لروسيا، ما قد ينتج تسوية 4 حزيران على قياس وديعة رابين وخطوط حافظ الاسد.

الاحتمال الثاني:  استمرار الحرب وانفجار شامل، وهو خيار واحتمال يسير على ذات مستوى احتمال الهدنة وفرصته كبيرة جداً، واحتماله حتى اللحظة الأرجح بسبب الاستعصاء وتبدل الرعاة وموازين القوى وحجم الاحتقانات، خاصة الفلسطيني الذي بات محبطاً ويائساً وليس لديه ما يخسره، واستمرار عنتريات نتنياهو وإطلاق يد المستوطنين، فأي وقف للحرب وأي هدنة ستنعكس بانهيار منظومة نتنياهو وسقوطه المدوي ليصير عنصر تغذية استمرار الاشتباك أو من موقع العجز.
فاستمرار الاشتباك قد يدفع نتنياهو الى مغامرة حمقاء لتعميم الحرب بالتحرش بسورية أو بالجنوب اللبناني، وهذ ستستدعي رداً ودخولاً لحلف المقاومة الحرب لنتحول إلى إقليمية واسعة بنتائج تاريخية وعالمية.

الاحتمال الثالث: استمرار الاشتباك بوتيرة مختلفة كالتصعيد والترقيد، وهكذا فالاحتمال له حظوظ عند كلا طرفي الاشتباك المتحكمة، فغزة وحماس تحققان مكاسب جمه على حساب السلطة والأخرين، ونتنياهو يحاول استيلاد حكومة أزمة وطوارئ تبقيه سنوات في الحكم وخارج السجن، والعالم والاقليم يتفرجان بعجز، وتمكن نتنياهو واليمين من تشكيل حكومة طوارئ لا يضر فرقاء التسوية بإعادة هيكلة اسرائيل وتوازناتها لتفاوض على تسوية تعيد الجولان والضفة، بحسب خريطة 4 حزيران برعاية دولية الوزن الفاصل لروسيا، وهذه تحتاج في اسرائيل لحكومة يمين لا يسار، وحكومة طوارئ توفرت شروطها الاسرائيلية على نحو ممتاز.
بين الاحتمالات الثلاث ليس في اليد عناصر ترجح أحداها بتفوق على الأخريات.
إلا أن المنصات والمفاتيح الأربعة قد تدور في أي لحظة وتلتهب فتفرض إعادة ضبط التحولات ورصد الاحتمالات واستطلاع سيناريواتها.

الخلاصة الذهبية
بات الزمن يعمل في غير صالح إسرائيل، والأحداث تستوجب إما نقلة في مشروعات التفاوض والتسويات، أو انهيار اسرائيل وتحرير فلسطين من البحر الى النهر…
كيف؟ وما هو مستقبل اليهود فيها؟

اسئلة تستوجب بحثاً وتدقيقاً معمقاً، وستكون شغلنا في الأيام الاتية.

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى