دراسة (الملعون المقدس) للأديب المفكر د. محمد إقبال حرب: سرد برؤية مغايرة عن المألوف

بقلم سهيلة حماد*

الفكرة

تتمحور فكرة الرّواية حول التأمّل وإعادة النّظر في مسألة مدى نجاعة العقوبة و جدواها، لبشر محكومة أغلب حياته بالجبرية من خلال نماذج من البشر تداخلت أفعالهم وقصرت حيلتهم حينا وأساؤوا الاختيار عندما مُنحوا فرصة الاختيار فهل فعلا استحقوا العقوبة ولو لم توجد العقوبة هل كان بإمكانهم حقّا تصحيح مساراتهم؟ وإلى أي مدى يمكن أن تواصل الفكرة حياتها لدى من آمن بها؟.

طرح جديد مثير للدّهشة

الخير والشر هل هما فكرتان أو أنهما كلمتان؟ هل هنالك فرق بين الكلمة والفكرة؟

تجديد في طرح فلسفة الفكرة والعقل والطّاقات المتصارعة والأرواح منهجيّة مثيرة للدّهشة.

. الرّواية عند الذروة تتّخذ مسارا مغايرا لوتيرة الحكي الكلاسيكي ترغمك على التوقف عنوة لإعادة قراءة الصّفحة أكثر من مرّة أملا في الفوز ببصيص من نور يساعدك على مواصلة رحلة في رحاب عمق التفكير الغرائبي حينا، والفانتاستيكي حينا آخر.

نص المداخلة

آلية التّدوير في الرواية :

في الختام أودّ أن أشكرك دكتور محمد إقبال حرب على هذا الجهد المميّز والخارق، وهذا التّشويق الذي أخذ نسقا تصاعديّا فنتاستيكيا تارة، وغرائبيّا تارة أخرى، مُضمَّخا بالواقعيّة، تسارع معه نسق دقات قلوبنا…

إنّ الفصل 29 كان فَصلا، فاصِلا، وفَيْصَلا، البداية كانت قوية ولّادة لمنهجية فكرة فلسفة حياة تطمح للتجديد وفق جدلية مخالفة للسّائد النمطي، نهايته كانت مفارقة خيّبت آمالنا زادت في استفزاز القارىء وتوتيره، وعلّت من درجة فضوله، وهو يُعتبر النّواة التي قامت عليها فلسفة الرّواية المبنيّة على العقل والفكرة والدّياليكتيك، فهي تؤسّس لإرساء واقع أفضل، من أجل منح فرصة لكلّ من انحدر في خندق الرّذيلة، بحجّة الانتقام، لأنّهم كانوا ضحايا حسب زعمهم. بعيدا عن منطق العقوبة ونظرة القبيلة، والخوف من العشيرة، وسياسة القطيع، التي تُعمي البصيرةَ، بعيدا عن منطق الدّين، والكرامات والسّحر بعيدا عن خزعبلات الأعراف، الاجتماعيّة (وكرُ الشّيطان) ومنبتُ نشأةِ كلّ جريمة جراء الغلِّ، والأحقاد النّاجمة عن الكذب وتبرير الخدعة و الجريمة، والأحكام المسبقة وما يترتّب عليها من عدم ثقة بالنّفس…

فيما يتعلق بِبقيّة الفصول،- من الفصل 30 إلى الفصل 35- لاحظنا تسريعا غيّر في نسق مجرى الأحداث، ما أوحى لدينا بالارتجال. تكاد تكون الفصول خالية من الصّور الشّعرية الإبداعيّة، فكانت أقربَ لموجز أنباءٍ لخبرٍ تقريري وافتعال . قد يبدو الواقع أحيانا أكثر تعقيدا… لكن قدرة الكاتب على تدوير الحكي وغربلة الشّوائب والشواذ في منطقة محايدة ، جعل من الجملة الأخيرة في الرّواية الواردة على لسان القاضي: “أتريدين دينا جديدا أنت سيدته يا دوران؟”، بمثابة المنقض، الذي حرّك الذّهن، ممتصّا كلّ مااعتقدناه نقصا، -رابطا مع الكتابة الحداثيّة ونظريّة التلقّي- بربطها مع معنى الجملة التي وجّهها” (السيّد) (الإلاه العقل الرّاجح) الذي أبدع إينويا (الفكرة) تلك الفكرة الرّؤيا التي كانت حلما قديما، بعد أن تفقد خاصيّة تميزها وقدرتها على التّطوّر قبل انحلالها، شأنها شأن العديد من النّظريات التي في آخر كلام وجهه العقل مخاطبا إياها في الفصل 29 حيث يقول لها متسائلا:

“أتريدين دينا جديدا على كوكب الأرض”، لنفهم بأنّ الحلّ في تغيير الحال، من حالٍ إلى حالٍ أفضل، من أجل بعث إنسان جديد يرتكز على العقل، والعلم وعلى واقع الحال الموضوعي المتوفّر وليس بالارتكاز على الوهم والقيل والقال والمستحيل واستنجادٍ بقوى غيبية كالسّحر والمغالاة في كل فكرة أو الاستسلام والانحناء للأقدار العابثة راميا المنديل، اعترافا بلاقدرة الفرد على المجابهة والتّغيير، وشرب الكأس على نخب الهزيمة المستديمة، كأنّها قدر الأقدار، بل الحياة تقتضي عدم الاعتراف باليأس وعليه كان لابدّ من تفعيل آلية العزيمة التي يتمتّع بها الفرد، انتهى عهد النّبوءات، لذا كان لابدّ من قياس قدرة إرادة الفرد على مجابهة الصّعاب وتأهيله لمواجهة الحقيقة، والأخذ بيده بدل إقصائه، فكلّ الآليات ومفاتيح الكون، مسخّرة لأجله ومن أجله، وفي خدمته، فتكفيه النّية، والإخلاص والإصرار على تكرار المحاولة، بالاتّّكال على قدرة العقل وحسن تفعيله، لضمان حسن التّواصل، عبر لغة قادرة مؤثّرة ترتكز بالأساس على الإيمان بالفكرة النيّرة البناءة، لضمان حسن التّبليغ، لذلك وجب العمل على إنجاحها من خلال إرساء منهحيّة المنطق والإقناع فعبر هاته القناة يومض الأمل ويشرق من جديد عهد جديد بعد التّأمّل والنّظر في آلية القبول وقياس درجة الرّضا، على مسيرة الفرد ومساعدة الغريق في أحزانه، والتّحاور معه بحثا عن حلّ يرفع من معنوياته، بدل تسليط العقوبة عليه، فحب الآخر مطلوب وحبّ الخير له، ونبذ الكراهيّة، بالقضاء على بذرة الشرّ النّاجمة عن الوهم والدّخول في الكذب والعقوق والنّقمة والخيانة وخيانة مؤتمن، والانحراف عن الحق وتغليب نزعة التّدليس وشهادة الزور، والرّغبة والجنون، وعدم التحكّم في الشّهوة، وقضاء الحوائج بالرّشوة، والمغالاة في الفكرة، فعلى قدر العزيمة تفعّل القوّة الخارقة الكامنة فينا، كنبع نقي جارف، يطهّر سرائرنا، يطرح الشّوائب، وكلّ دسيسة ونميمة سعيا إلى التّغيير، يقدر ذاته الأنا بشكل معتدل يضمن بها التّوازن ويحترم الآخر في علاقة حضاريّة تضمن سلامة الأسرة والمجتمع، فكما لكلّ سبب من مسبّب، كان لابدّ على العقل البشري، أن يعي ويدرك ليبحث في علاج الفكرة بالفكرة الأفضلِ، وتطويرها لصالح الفرد والمجموعة، ونبذ كلّ بذرة فكرة فاسدة، بإبقاء الصالح منهاالخادم للإنسانيّة، ولا يكون ذلك إلا بالإرادة و العزم والحزم، فالإرادة طاقة يجب أن تأتي من الدّاخل متوهجةً لتوقد وتضيء حياة الذّوات، وتزينَ وتُشرقَ من الخارجِ، فالخير ُوالشرُّ طاقتان متلازمتان، وقائم عليهما الصّراع الوجودي للبشر من أجل الكينونة ، والتّأصيل، ذلك أن قانون الطّبيعة لا يقبل التقاء قطبين لذلك كان لا بدّ من الصّراع الجدلي، فالمقاومة سرّ الكينونة البشريّة، فالرّاحة المستديمة، أو العذاب المستديم، في خط أفقي مقترنتان بعالم البرزخ، عالم الزّمن السّرمدي المستقيم، فالشّمس أيقونة دلاليّة، مقترنة بالزّمن الدّائري، والحركة رمز البداية المتجدّدة الحاملة للّنهاية الحتميّة، بحكم الصورة المتعارف عليها، في أذهاننا، لكلّ مادّة ومخلوق محكوم، بالتحلّل قبل إعادة بعثه، وإقحامه في عجلة حياة الدّنيا من جديد يرمز له الرضيع الدلالة على الاستمرار من خلال التّدوير.

البعث الجديد وترقب المنقذ المنتظر

فمن هذا المنظورُ، يلوح الانفراجُ والضّياءُ والبعثُ الجديدُ، والنّورُ المتجدّدُ والطّاقةُ الوهاجةُ الدافعةُ للحركةِ وللفعل الخلاق الذي لا يتمتع بإدراكها وحسّها لعيشها، سوى من طلبها، فاستحقّها،، فهي طاقة دافعة لا يبصرها سوى متبصّر من أولي الأبصار،، “بورك من استحق ولادة جديدة “، هكذا كانت تزكية إينويا لمن استحقّ البعث والولادة عندما تلفّظت بهذا المنطوق في خاتمة الفصل 29، لتربط مع الأيقونة الدّلاليّة الصّادمة الواقعة آفيشا لرواية (الملعون المقدّس)، الواردةِ نعتا ومنعوتا الجامعِةِ للشّيطانِ من خلال ملفوظ (الملعون) ، وبطهر القديسين والأتقياء من خلال ملفوظ (المقدّس)، مبرزا بذلك إشكاليّة الصّراع القائم داخل الذّوات، المرتكز على تجاذبات آليّة التقاء الأضداد، عبر ثنائيّات ضدّية بانورامية الاتجاهات مؤثثة التّفضية، لتُضارب أفكار، التقاء المقدّس بالمدنّس، جامعة بذلك الطّهر بالعهر والملائكة بالشّياطين والمادّة بالرّوح. والحسّ بالإحساس بالصّمت الرّهيب المهيب وطيب الرّوائح بمنكرها…

ما طرح في الستّ الفصول الأخيرة من الرّواية، تعدّ مواضيع عديدة، لا يمكن معالجتها مرة واحدة فقد يلزمها جهد للكتابة قد ترهق القارئ وتصيبه تخمة فيقلق وينسحب قبل بلوغ النهاية، فهي ذات أهمّية قصوى وحارقة، تحقّر من نتائج ممارسات مجتمع قبلي، يعيش حالة سكيزوفرينيا، بين الظاهر والواقع، يتأرجح بين الخوف من انكشاف المستور لدى بقيّة القطيع، وبين حقيقته الفعليّة بقياس ممارساته، ومدى درجة استحقاقه للعقوبة نتيجة أفعال مشينة، ينهى عنها العرف والشّرائع، ذلك ما يفسّر خوفه الدّائم، المبعثر لكيانه، وانتظاره للعقوبة، المكبّلة لمبدإ التّحرّر، للاستشراف والتبصّر لاتخاذ قرار حكيم كوني، ذلك ما يفسّر إعاقة الفعل الموجب، وشلّ التّفكير الإيجابي، لصالح الفكر السّالب المعيق للحركة، (ما أقصده بالمعنى السّالب والموجب، ذاك المفهوم والمصطلح المستعمل في الرّياضيّات أو الكهرباء، تماشيا مع مفهوم معنى ورد بالرّواية من عدم التقاء قطبين…)، بمعنى أنّ تركيز الخاصّة على موارات أعمالهم المُريبة ساعة أدائهم لوظيفتهم قد تستحق عقوبة في الوقت الحالي… فيلهيهم الخوف من انكشاف أمرهم عن التّفكير بجدّية في اتخاذ القرار السّليم المحرّر للكلّ فيكون بذلك استجلب الفعل الموجب، الذي استوجبه السّالب بفعل الصّراع الجدلي القائم بين الخير والشرّ ، لأجل إرساء نظام جديد، لما يجب أن يكون عليه الفعل بالفعل، ليسلَم كلُّ المجتمعِ، بحسن الإدارة الفعليّة، النّاتج عن صدق إرادة، وحسن نيّة وإخلاص للمجتمع الذي ينتمون إليه، للقطع مع سياسة الانسياق السّلبية المطيعة الخاضعة وراء قطيع في الظاهر تجترّ الإملاءات -لا ظلّ لها-، كمراجعة بعض القوانين، وتغيير بعضها، بما يضمن حقّ الجميع، حتى يتمتّع القاصي والدّاني، بنفس الحقوق، كي تختفي المحاباة من مجتمعاتنا، بعدم تفضيل زيد على عمر، بعدم تغطية هذا، وتعرية ذاك، وسجن هذا وتهريب الآخر ليفلت القريب من العدالة والصّديق من العقوبة… ويزج في السّجن من لا ولي له..

يقودنا المعنى لرواية الجريمة والعقاب لدويستوفسكي. ولعالم الخبز الحافي لمحمد شكري مع بعض الاحتراز…

في رواية الحال، يتخبّط الفرد بين شعارات زائفة، قائمة على التّملّق والأخذ بالثّأر والانتقام للشّرف، المضحوك عليه، بعنوان القصاص، فالضّحيّة قد يتحوّل مجرما مدنِّسا للفضيلة مؤازرا للشّيطان متناسيا الشّريعة والدّين والمجتمع، وما يتشدّق به من شعارات رنانة، لإعلاء (حقّ باطل)، باسم الانتقام لشرف الفرد ولعفته ولعذرية براءته بعد تعرضه لفعل سالب انتزع براءته ليتحول لثعلب ماكر ولذئب شرس لا يفرّق بين الحلال والحرام . الأخذ بالثّأر معنى ورثته الشّعوب القبليّة، نتج عنه ممارسات شيطانيّة اقترفها الفرد، باسم الانتقام والأخذ بالثّأر، أو للتستّر على النّفس أو على قريب خوفا من العار الذي قد يلحقه، هذا الفعل المسمّى بالثّأر تسمّم ولحقه العار، أدانه الزّمان وأثبت قصوره، وأنّه أكثر دناءة وأكثر خسّة وغبنا ونذالة من الفعل الدّنيء الأوّل ، فالقاضي والمحامي في قضيّة الحال يُعتبران صورة ومرآة لما يقع في المجتمع، فهما بفعليهما أيضا قد حادا عن الصّواب، وانحرفا عن الحقّ والعدل ومبدإ المساواة بين النّاس فانجرفا تحت بند العاطفة -و(اقرُصْ لحمِك يْوجعِكْ) مَثلّ شعبِي تونسي- للتستّر على جريمةٍ وتدليسِ أوراقٍ رسميّة، فنتج عن ذلك تضليلُ للعدلِ وللعدالةِ باسم المحاباة والولاءات ومفهوم القبليّة خوفا من عقوبة العشيرة التي يعلو صوتها على الضمير وعلى كل الشّرائع، -مفهوم تطرّقت له رواية ساق البامبو للرّوائي سعود السنعوسي- علو كلام الناس والعشيرة قضي على القضاء وعلى والعدل، ليتبدّى لنا مدى ضلال العدالة، وتضليل بعض قضاتها لمجريات الأحداث والتّلاعب بالحقائق من منظور الخوف من الفضيحة ومبدإ (انصر أخاك ظالما أومظلوما)، فيما يُقاضى آخرون بعقوبة سجن على نفس الفعلِ أو بغرامة ماليّة وغيرها من العقوبات.. ومن هنا مبدأ الكيل بمكيالين… وباعتبار القانون هو فكرة وباعتبار البحث عن فكرة أخرى يكون بها خلاص هذا دون ذاك أصبحت العدالة والقانون نسبيين لاتكالهما على مخلوق (الفكرة) نتاج (عقل) محدود لمخلوق إنسان صنعه الخالق بيديه ونفخ فيه من روحه، يمكن أن تبيدَ الفكرة وتنحلَّ بمجرد إخضاعها للتّجريب وتبين عدم قابليتها على التطورِ في أي لحظة والاستغناء عنها، لذلك وجب البقاء للقابل للتّطوير في حدّ ذاته و البحث عن صيغة جديدة صالحة لكلّ زمان ومكان، قابلة لمسايرة التّطور والتّقدم حتى يتحرّر مجتمعنا الذي تراجع وتأخّر عن الشّعوب الأخرى بأميال ضوئيّة، نتيجة التزمّت والتّطرّف الدّيني المشابه لما كان عليه الكهّان ورجال الكنيسة قبل النّهضة الصّناعيّة والفكريّة للغربِ التي صنعها مفكروها وآمن بها حكامهم بعد الضغط عليهم من رجال الفكر وإبعاد الدّين عن السّياسة.

* الناقدة سهيلة بن حسين حرم حماد من تونس

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى