بريطانيا ولبنان وإسرائيل: نماذج تجريبية عن آليات انهيار النظام العالمي الليبرالي المتوحش

ميخائيل عوض

ليز تراس تستقيل بعد 44 يوماً من رئاسة حزب المحافظين ورئاسة الوزراء في بريطانيا وهي أقصر مدة لرئيس وزراء...

لبنان إلى فراغات دستورية تكمل عقدين من الأزمة والفراغات.

إسرائيل خمسة انتخابات للكنيست ويستمر العجز عن تشكيل حكومة اكثرية قادرة على إدارتها ولملمة أزماتها.

هل هي مصادفة فحسب؟ أم في تقاطعها أدلة قوية على نفاذ صلاحية العالم القديم  الأنكلوساكسوني بعد أن استنفذ حقبه ومراحله وقدرته على ترميم نفسه وقد عاش أربعة قرون وهيمن وتسلط على العالم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي نده ومن تشكيلاته الرأسمالية؟

بريطانيا الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس والدولة التي لم يتم احتلالها أبداً، والتي شهدت الثورة الصناعية، هيمنت بنموذجها وقيمها على العالم حتى أصبح وليدها الأنكلو- ساكسوني ‘أميركا” مهيمنا على العالم القديم متفردة بعنجهيتها ونموذجها وعممت قيمها، فتجسدت كروح وخلاصة منتجات النظام الرأسمالي في حقب الليبرالية والتوحش.

كما كانت بريطانيا موطن الثورة الصناعية، كذلك موطن الهيمنة التجارية والمالية، وأول من أطلق عفاريت الليبرالية الاقتصادية في حقبة مارغريت تاتشر وصنوها الأميركي دونالد ريغن، فقادت أميركا الحقبة وفرضت قيمها وقواعدها وثقافتها على العالم بلا قيود أو عقبات ما خلى مقاومة العرب والمسلمين. المقاومة التي وفرت شروط وبيئات استنزافها وكشف اعطابها وتأهيل أوراسيا للنهوض وتامين عودة روسيا من لمنصة السورية لاعباً قطبياً عالمياً حاكماً وهيمنة الصين على الاقتصاد العالمي.

بريطانيا منذ عقدين تعيش الاضطراب وخلجات موت النموذج وعجز النظام عن ترميم وإصلاح نفسه، وقد عجزت حكوماتها عن وقف الأزمات أو ابتداع علاجات فجاء الاستفتاء على الانسحاب من الاتحاد الأوروبي المفاجئ بنتيجته كحدث مفصلي، وكمحاولة أخيرة يائسة لإخراج بريطانيا والنموذج والنظام من أزمته البنيوية، ومنذ الاستفتاء وبريطانيا تتخبط وتضطرب بنيتها وحياتها السياسية وتتزاحم أزماتها الاقتصادية والاجتماعية وتتعثر خطواتها وقد عبرت حقبة جونسون عن حالتها، بمواصفاته الشخصية ومسلكه وبسياساته التي وصفت بالارتجالية والحمقاء، إلى أن لفظته الحياة السياسية فأنتجت ظاهرة أكثر سوءاً وأقل عقلانية ودراية وحكمه، ولم تتحملها الأزمة فسرعان أن دفعتها للاستقالة لتضع بريطانيا أمام مأزق سياسي وأشبه بحال استعصاء، فوريث ليز لن يكون أفضل منها أو من سابقها أن لم يعد جونسون نفسه بصفته أبرز المرشحين لقيادة حزب المحافظين- حزب تاتشر نفسه، وتتعمق الأزمات وقد بدأ البحث عن مخارج كمثل انتخابات مبكرة في ضل جفاف الحياة السياسية من القادة والاحزاب والبرامج.

هكذا بريطانيا المؤسسة في العصر الرأسمالي تنذر بدنو نهايته وبإفلاسه وتقدم ارهاصات موته.

على الضفة الأخرى لبنان  من النماذج الفريدة للنظام الرأسمالي وتجلياته، وقد تأسست قيمه منذ الفنيقين وتجارة البحار على ذات النمط الإنكليزي، وجرى تصنيعه جغرافية ونظام بنتيجة قرار بريطاني فرنسي في اتفاق سايكس بيكو، وتجسدت عولمته الباكرة والهجرات والانتشار العالمي وفي نظامه الاقتصادي التجاري والدستوري المحاصص على نمط شركات المحاصة ومحدودة المسؤولية والهولدنك دخل طور أزمته كنظام منذ عقدين ونصف، ولم تجد المنظومة “مجلس إدارة الهولدنك” إلا تمويل المنظومة عبر نهب الواردات والودائع وحقوق المودعين والعاملين في الدولة والقطاع الخاص، وحولت القطاع المالي والمصرفي إلى غسل الأموال القذرة لشفط أموال العراق والعرب، ووضعه على عتبة الفوضى المتوحشة والفراغات الدستورية، فما كان لم يعد قادراً على الاستمرار ولا سبيل لاحتواء الأزمات من دون تغير جوهري في الدور والوظيفة والنظام.

إسرائيل ثالثة الأثافي، بدورها كمنتج صنيع للنظام الرأسمالي وبطابعه البريطاني وكثمرة لوعد بلفور وكدولة “أمة مصنعة” زرعها الرأسمال العالمي، وفي الأساس البريطاني لتأمين نهب الشرق وابقائه متخلفاً، باتت تلفظ أنفاسها وتعد أيامها العادية المحدودة، كما وصفها أولمرت رئيس وزرائها في حرب تموز 2006 “تعجز عن إنتاج حكومتها القادرة” ولن تفلح في خامس انتخابات في ثلاث سنوات، وتعجز في مواجهة غزة وترتهب من اصبع السيد حسن نصرالله وتوقع تفاهم الترسيم والمسدس في رأسها، وتعجز عن مواجهة الانتفاضة المسلحة في الضفة وأراضي الـ48، تقدم بدورها كل المؤشرات والأدلة على أن النظام والعصر الرأسمالي بات يتأكل كثوب بالٍ كلما رتق فتق.

فلا مفر من أن تنتج البشرية عصرها الحضاري الثالث عبر توليد العالم الجديد من رحم القديم ليرثه ويعصرن القواعد والقوانين الناظمة للعلاقات بين البشر والأمم والقارات، على أصول تختلف جوهرياً عما أرسته معاهدة وستفاليا التي أطلقت النظام الرأسمالي المنبثق من بريطانيا وثورتها الصناعية التي فوضت الرأسمالية المالية والتجارية في زمن الليبرالية المتوحشة بصيغتها الأميركية، وقد انتفت شروط وظروف وأسباب استمرار النظام والعالم القديم في حالة مخاض قاسية تشتد من أوكرانيا وترجيح احتمال انفجار الاقتصاديات الأوروبية والأميركية وتوابعها والانفجارات السياسية والاجتماعية الجارية مقدماتها في إيطاليا، وفي اضرابات وتظاهرات فرنسا وألمانيا.

عالم جديد يولد

أين العرب ومشروعهم منه؟

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى