
إلى متى اللامبالاة..؟
كانت زيارتي اليوم إلى ملعب بيروت البلدي محزنة ومؤلمة بالنسبة لما شاهدته من إمعان في الإهمال بحق هذا المرفق الرياضي الحيوي في قلب العاصمة بيروت.
هذا الملعب بحلته القديمة لعب عليه منتخب المجر “العظيم” بقيادة فيرينك بوشكاش قبل أن أولد ويولد الكثيرون من متابعي هذه المقالة، ولمّا كبرت قليلا بدأت أتابع “الدوري المصغر” عام 1976 من شرفة منزلنا المطلّة على الملعب البلدي بلا أن أعرف اسماء الفرق التي تلعب سوى أصوات الأهازيج والدربكة المنتشرة بوفرة آنذاك في الملاعب، وبعدها بسنوات قليلة بدأت أواظب على متابعة تمارين فريق الأنصار الذي كان يضم كوكبة من النجوم العمالقة تحت قيادة المدرب الاسطوري عدنان الشرقي ومساعده “أبو طالب”…
كان التمرين الصيفي يبدا متأخرا حين يدخل الشرقي ويكون أول الواصلين ويمشي مسرعا نحو المقعد الخشبي “البنك” الطويل المرمي تحت شجرة الكينا العملاقة والمعمرة ناحية الجامعة العربية ثم يبدأ توافد اللاعبين تباعا بين حضرته وتبدأ التمرينة بتوزيع ثياب الحصة لاختيار فريقين كان أحدهما يرتدي التيشرت ذات اللون البني أما السروال فلا مشكلة في اللون.
تدريب حراس المرمى كان مميزا و”فكاهيا” لا يخلو من طرافة بوجود محمود برجاوي “أبو طالب” صاحب الرفعات المميزة “عالمسطرة” والتسديد الصاروخي من شتى الزاويا.
طبعا، قبل التمرين كان الصهريج “سيترن” المياه يجول في الملعب ليسقي التراب ويبلله ويروي ظمأه فمشكلة عدم وصول المياه إلى المرافق الحيوية قديمة في لبنان أو لأن البلدية سقط عن بالها يومذاك أن تمدد أنابيب الماء.
قلّما شهد الملعب البلدي في فترة الثمانينات مباريات ذات أهمية بسبب اشتداد القصف المدفعي عليه من منطقة بيروت “الشرقية” أو بسبب المعارك “الصديقة” التي تدور في بيروت “الغربية”.. ولعل أشهر مباراة هي التي أقيمت بين باستيا حامل كأس فرنسا والأنصار عام 1981 وحمل هدف الفوز الوحيد توقيع الكاميروني “المونديالي” روجيه ميلا.
الملعب عاد لينتعش عام 1985 حين عادت إليه الخضرة فتمت زراعته بالعشب الطبيعي الذي كنت أحرص على إلقاء نظرات يومية عليه فبعد اسبوع كامل بدا يتغير لونه ويمتزج الأخضر مع لون التراب البني الغامق وبعد نحو 3 اشهر أصبح جاهزا للعب عليه.
وفي فترة التسعينيات اكتسى حلة جماهيرية مميزة ولبس رونقا أنيقا إذ تم اعتماده لإقامة مباريات الدوري ومطلع عام 1997 اختفى الملعب البلدي “القديم” الذي افتتح الجنرال غورو عام 1936 وبدأت تظهر معالم ملعب جديد بعدما تم حفره بعمق أمتار عديدة وتم تشييد المدرجات الدائرية حوله لتلفه بالكامل ويتم افتتاحه خلال الدورة الرياضية العربية الثامنة.
أخبار ذات صلة:
ومن يومها صار علامة فارقة في كرة القدم وبين الملاعب.. بقي لسنوات قبل أن تتناهشه أيادي المتصيدين في الماء العكر وأصحاب النفوس السودواية وكأن عين الحسود قد أصابته بالشلل وكافة أنواع المرض الزؤام، حتى اضمحل وهرِم وأطلق ذراعيه للعنان مستسلما للموت السريري والاحتضار الممنهج..
وها هو اليوم أصبحه ملفه بين أخذ ورد، هناك من يريد إحيائه ومن يريد وئده..
وها هي صورته تحكي عن حاله بلا لسان الحال بل من أنينها ووجعها في بلد يذبل ويغرق في غياهب النسيان والظلمات.
والمنصة الشرفية ومقصورة الإعلاميين التي كنت يوما أتواجد فيها بشكل مستمر هي أيضا حزين وتئن من طول العذاب.
إلى متى اللامبالاة.






