
قد حان وقت المراجعة – 10
بقلم: محمد حسن العرادي – البحرين
خمسة عشرة عاماً والبحرين تعيش بين ظاهرة الإنكفاء الإنتخابي وتداعيات قرار العزل السياسي، كلٌ متشبث برأيه لا يريد أن يتزحزح أو يتنازل عن موقفه، معتقداً بأن الدنيا ستنتظره والأحداث ستتوقف ريثما يستعيد قدرته على المبادرة، عقدٌ ونصف تبدلت فيه الأوضاع الإقليمية والدولية، اهتزت خلاله مناطق كثيرة حول العالم، تفجرت الحروب والصراعات الدامية وتغيرت التحالفات والاصطفافات السياسية، بعض الأنظمة الحاكمة خرجت من المسرح العالمي، حكومات معترف بها سقطت وقامت على أنقاظها حكومات مختلفة بل ونقيظة لها في التوجهات والأيدلوجيا ومعترف بها أيضاً، كثير من مواقف القوى والأحزاب السياسية وحتى الحركات العسكرية تغيرت، بعضها ترك السلاح والمواجهات العنيفة واختار طريق الحوار والتسويات، وبعضها لا يزال يغرق في شلالات الدماء والأزمات، لكن الأوضاع في البحرين لا تزال تراوح مكانها في دائرة مغلقة بين المقاطعة والمشاركة وتبادل القاء اللوم والاتهامات.
عقدٌ ونصفٌ من المكابرة في انتظار وسيط لم يأتي، وفرصة لن تعود بعد ضياعها، والمتغيرات المحلية والإقليمية والدولية تفرض نفسها على العالم بوتيرة متسارعة، عوامل جديدة جديدة طرأت وغيرت المعادلات والحسابات والموازين فربحت أطراف وخسرت أخرى، بينما البعض منا لا يزال غارق في وهم أن عقارب الساعة ستعود إلى الوراء، وأن الزمن سيرجع إلى ما قبل العام 2011، انتظار وترقبٌ واحباط يتراكم بين الناس وخاصة في أوساط الأجيال الجديدة، في حين يستمر الانتظار السلبي سيد الموقف، رغم ان متغيرات كبيرة وكثيرة تحدث أمام الجميع، ربما البعض يتحاشى رصدها ويقنع نفسه بأنها لم تحدث.
في الانتخابات العامة الأخيرة 2022 بلغت الكتلة الناخبة في البحرين (344713 ناخباً)، وبحسبة بسيطة سنجد أن تركيبة هذه الكتلة الناخبة قد شهدت تغيراً كبيراً خلال السنوات الخمسة عشرة الأخيرة، نجحت الحكومة خلالها في إحداث تغيير جوهري في وعي واهتمامات الناخب البحريني، فأصبحت الكثير من الناخبين بعيدين عن الاستقطاب الفكري والاهتمامات السياسية المعتادة، بعض التغيير بسبب قوانين وقرارات العزل السياسي وتداعياتها التي لا تزال تتصاعد وتضيق الخناق على النشطاء أينما كانوا، حتى وصلت الحكومة إلى استصدار قانون الصحافة والإعلام الذي يشترط على أصحاب المواقع الإلكترونية أن يكونوا متمتعين بحقوقهم المدنية، الأمر الذي قد يعني بأن كثيراً من أصحاب الحسابات والمواقع الإلكترونية بما في ذلك مواقع التواصل الإجتماعي قد يفقدون القدرة على الحضور الإعلامي المؤثر وحتى التواصل المباشر مع المجتمع، ويبقى الجميع في بلبلة في انتظار اللائحة التفسيرية للقانون المتوقع صدورها قريباً.
من جهة أخرى، فإن ظاهرة الانكفاء الانتخابي، قد تكفلت بإبعاد وتجميد الكثير من الكوادر السياسية المعارضة وحجبت أنشطتهم ومشاركاتهم في الندوات والفعاليات السياسية والفكرية، بعضهم إنشغل بمشاريعه الخاصة داخل وخارج البحرين، وأكثرهم أقنعوا أنفسهم بأن الأمور لن تسير الى الأمام بدون الأخذ بخواطرهم ومصالحتهم، وربما إعادتهم إلى المواقع والمراكز التي كانوا يشغلونها سابقاً، لذلك لم يعملوا بجدية كافية على إعداد أجيال جديدة من النشطاء (ربما خوفاً بأن يكونوا بديل مستقبلي لهم)،
وقاد ذلك كله إلى إبتعاد عشرات الآلاف من الشباب والشابات عن الإهتمام بالحدث السياسي المحلي، مع ضغط كبير من تطورات المشهد الفلسطيني الدامي الحاضر دائماً عبر الشاشات التلفزيونية والمواقع الإلكترونية الذي فاقم من يأس الناس وكسر مجاديفهم، وقد أدى ذلك إلى ترسيخ العزوف والنأي بالنفس عن المشاركة في الكثير من الفعاليات العامة بصورة شبه كلية، وانحسار الاهتمام بقضايا الشأن العام في البحرين على وجه العموم، والهروب إلى الانغماس في ممارسة الشعائر الدينية، أو الانشغال بمتابعة المباريات الرياضية والاهتمامات الأخرى.
وبين ضغط العزل السياسي الحكومي وتراجع عمل وحضور مؤسسات المجتمع المدني، والانكفاء الإنتخابي الشعبي المعارض، نشأت أجيال جديدة غير مكترثة بالشأن العام، ونشوء فئات جديدة من الناخبين غير المسيسين، فإذا التفتنا إلى أعداد الخريجين الجدد الذين أصبحوا مؤهلين للمشاركة في عمليات الانتخاب خلال السنوات الماضية سنجد أنها افرزت تغيرا كبيراً في تركيبة الكتلة الناخبة (15 عاماً × 12 ألف خريج سنوياً = 180 ألف ناخب جديد) ويشكل هذا العدد أكثر من 52% من الكتلة الناخبة الحالية، وهذا يعني بأن العوامل المؤثرة المشار إليها أعلاه قد ساهمت في تغيير الكتلة الانتخابية بنسبة كبيرة جداً، وتبعاً لذلك تغيرت فئات ونوعيات وأفكار من يحق لهم الترشح أيضاً. فإذا استمرت عملية الانكفاء الإنتخابي (غير الموفقة او المُجدية) واستمرت مقابلها عملية العزل السياسي (من 5 إلى 10 سنوات أخرى) إضافية فإن كامل الكتلة الانتخابية ستتغير، وستفقد التيارات السياسية المعارضة والموالية على حد سواء جزءاً كبيراً من تأثيرها وقدرتها على توجيه الناخبين.
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة، متى تتوقف القوى السياسية عن ممارسة لعبة (الاندحار السياسي) القاتلة وتعود إلى التفتيش عن المشتركات والتسويات الممكنة حتى تستعيد البلاد توازنها، وتتصالح مع نفسها، تعزز وحدتها وتتعض من أحداث الماضي فتفتش عن مسارات سياسية مختلفة أقل كلفة وأكثر واقعية، لقد حان الوقت لإنهاء فصول المعارك الخاسرة التي إستمرت عقوداً طويلة ولم ينتج عنها سوى المزيد من التمزق والتقوقع الطائفي، والله من وراء القصد وللحديث صلة.



