
الشغف والدافعية عماد التميز المهني قراءة مفهومية
وتحليلية في ضوء التشريعات الليبية والنظرية الإدارية الحديثة
بقلم: عبدالباسط صالح بن نجاح *
ماهية الشغف والدافعية كممكنين أساسيين للتطور الوظيفي؟
تشكل الدافعية والشغف المحور الأساسي الذي تدور حوله كفاءة العنصر البشري في التنظيمات الإدارية والمؤسسية المعاصرة ، فالموظف لا يقاس بمقدار ما يحمله من مؤهلات علمية أو مهارات تقنية جامدة فحسب ، بل بمدى طاقته الداخلية المنبعثة عن شغف حقيقي يجعل من أداء الوظيفة رسالة ذاتية وأخلاقية تتجاوز مجرد الاستجابة للتكليفات الرسمية .
يعرف الشغف المهني بأنه ذلك الاهتمام الوجداني والعقلي الذي يدفع الفرد إلى استثمار أقصى طاقاته الذهنية والوجدانية في سبيل إتقان العمل ، بينما تمثل الدافعية القوة المنظمة للسلوك والموجهة له نحو جهد مستدام يحقق الأهداف الوظيفية والمؤسسية ، إن التكامل بين هذين العنصرين هو المنطلق الحقيقي للارتقاء في السلم الوظيفي ، إذ يتحول العمل من عبء يومي إلى المصدر الأول للتحفيز الذاتي، والذي يصمد أمام المصاعب والتحديات البينية والتنظيمية.
البعد الإيجابي للشغف في بيئة العمل نحو التفوق والمثابرة
يتجلى أثر الشغف والدافعية في بيئة العمل عبر ثلاثة جوانب إدارية وسلوكية رئيسية يمكن ذكرها على النحو الآتي :
السعي إلى التفوق بدلاً من مجرد الإنهاء: إن الموظف الشغوف لا يكتفي بمجرد إسقاط العمل عن كاهله أو أداء المهام بالحد الأدنى المقبول ، بل يبحث عن أعلى معايير الجودة والاقتران بالإبداع ، مما ينعكس إيجاباً على الأداء العام للمؤسسة.
المثابرة والصبر في الأوقات الحرجة: يكسب الشغف صاحبه قدرة استثنائية على المرونة المؤسسية والتكيف مع ساعات العمل الشاقة أو التغيرات الهيكلية الطارئة ، مما يمنحه حصانة سلوكية ضد الاحتراق الوظيفي .
وحرص شديدين ، مما يعني أن الإدارة لا تستهدف الوجود الشكلي للموظف ، بل تستهدف أداءه الفعال والمنتج .
المسار الوظيفي ومعايير الترقية بين الجمود الشكلي والتحفيز المعنوي
تواجه الإدارة العامة والمؤسسات الحديثة تحدياً كبيراً في كيفية تحويل الشغف الذاتي إلى قوة مؤسسية مستدامة ، فالارتقاء في السلم الوظيفي ينبغي أن لا يكون مجرد حركة آلية تعتمد على الأقدمية الزمنية فحسب ، بل يجب أن يقترن بـ نظام تقييم الأداء الذي يقيس مشاركة الموظف الإبداعية ، ومدى دافعيته لتطوير بيئة العمل .
الموظف التقليدي والشغوف ، تباين المنطلق واختلاف المصير
تتجلى الفوارق الجوهرية بين الموظف التقليدي والموظف الشغوف في عمق دافعية العمل ومرجعيته ، فبينما تحرك الموظف التقليدي دوافع خارجية شاحبة كالتخوف من العقوبة أو الانقياد لأداء الواجب الروتيني ، تنبع حركة الموظف الشغوف من رغبة ذاتية متوقدة في التفوق ، وسعي حثيث للوصول إلى الإتقان وترك أثر ملموس .
تنعكس هذه الفلسفة جلياً في كيفية مواجهة التحديات ، إذ يقف التقليدي عاجزاً عند أول عقبة إدارية ، مستسلماً للإحباط ومستكيناً للظروف ، في حين يتسلح الشغوف بالصبر والمثابرة ، ويتجاوز انسداد الطرق بابتكار حلول بديلة تكسر القيود .
وعلى صعيد المهارات والتطوير يكتفي الموظف التقليدي برصيده القديم وخبرته الرتيبة المكتسبة بالتقادم ، بينما يمتلك الموظف الشغوف هوس التعلم المستمر ، فيبادر بذاته لاقتناص الحديث من العلوم والمهارات ليبقى في صدارة التطور .
وتأتي النتيجة الوظيفية لتتوج هذا التباين الحاد ، فمصير الأول هو الركود المهني أو حصد ترقيات شكلية تفرضها أقدمية السنين ، في حين يفرض الثاني نفسه على الواقع الإداري ، محققاً التميز ومستحقاً للارتقاء المتسارع شغفاً وأداءً .
وأخيرا فان استراتيجية بناء بيئة شغوفة ومنتجة
مواكبة التغيرات واكتساب المهارات: في ظل الثورة المعرفية والتقنية المتسارعة ، يمثل الشغف الباعث الذاتي للتعلم المستمر ، فالموظف الشغوف يسعى دائما لتطوير مهاراته بذاته دون انتظار أمر إداري أو خطة تدريبية فوقية.
التأصيل التشريعي في القانون الليبي بشأن التزام الأداء وعلاقته بالشغف والدافعية
مع أن المفاهيم الوجدانية كـ “الشغف” لا تدخل في زاوية النص القانوني المادي المشروط بالجزاء مباشرة ، إلا أن التشريع الليبي أرسى البنية القانونية التي تتطلب ضمنياً استمرار الشغف والاجتهاد، وألزم الموظف بمبادئ تشكل المظهر القانوني للدافعية والحرص .
قانون علاقات العمل رقم (12) لسنة 2010م :-1
نص المشرع الليبي في قانون علاقات العمل رقم (12) لسنة 2010م على مجموعة من الالتزامات الجوهرية التي تعبر عن مظاهر الكفاءة والاجتهاد :
مبدأ أداء العمل بأمانة وإتقان: يلزم القانون الموظف أن يؤدي عمله بنفسه ، وأن يبذل في أداء عمله من العناية ما يبذله الشخص المعتاد ، وأن بذل عناية الشخص الحريص أو المعتاد هي الحد الأدنى القانوني ، في حين أن الشغف الوظيفي يرتقي بهذا الالتزام من مجرد (بذل العناية الواجبة) إلى مرحلة (تحقيق النتيجة المثالية) .
التطوير المهني والتدريب: ألزم القانون المؤسسات والهيئات العامة بوضع خطط للتدريب ورفع الكفاءة ، وجعل استجابة العامل وتفاعله مع هذه الخطط المعيار الحقيقي للترقية والارتقاء في السلم الوظيفي .
2- النظرية العامة للالتزامات والتأديب الإداري
تنظم القواعد العامة في التشريعات الليبية سلوكيات الوظيفة العامة ، إذ تعتبر أن التقاعس واللامبالاة والإهمال – وهي المظاهر المناقضة للشغف والدافعية – تشكل خطأ إدارياً أو مساساً بالواجب الوظيفي يوجب المساءلة التأديبية .
وقد استقرت المحكمة العليا الليبية في إرساء المبادئ القضائية التي تؤكد أن الوظيفة العامة تكليف ورسالة ، وأن صون المال العام والارتقاء بالأداء المرفقي لا يتأتى إلا عبر عنصر بشري يمارس صلاحياته بإخلاص
يعد البحث عن الدافع والشغف مهارة شخصية ومؤسسية في آن واحد ، فإذا كانت المسؤولية الذاتية تقع على كاهل الموظف في سبيل اكتشاف شغفه وصقل مهاراته وعدم الارتهان للروتين المميت ، فإن المسؤولية التشريعية والإدارية تقع على المؤسسات وصناع القرار لتوفير بيئة عمل محفزة ، بيئة تكافئ المميزين ، وتعتمد الشفافية في التقييم ، وتستند إلى التشريعات المحلية كأداة لتمكين الكفاءات وليس لكبت الإبداع.
إن رهان التطور الوظيفي في القرن الحالي لم يعد مرهوناً بساعات الحضور والانصراف ، بل بمستوى البصمة الإيجابية التي يتركها الموظف الشغوف في جسد المؤسسة التي ينتمي إليها.
* مستشار ورئيس هيئة التأمين الطبي



