لماذا فشلت كل محاولات وقف إطلاق النار رغم حجم الكارثة؟

كتب أحمد سمير

لماذا فشلت كل الهدن؟
لأن الحرب تحولت من أداة سياسية إلى اقتصاد حرب. لا الجيش ولا الدعم السريع يريد هدنة إنسانية كما دعت واشنطن في سبتمبر 2026، لأن وقف القتال يعني وقف موارد الذهب، والضرائب على المعابر، وتجارة السلاح. كل هدنة كانت تستخدم لإعادة التموضع. الجيش يرفض أي هدنة تشرعن وجود الدعم السريع كقوة موازية، والدعم السريع يرفض أي هدنة لا تضمن له حصة سياسية من الدولة التي دمرها. والنتيجة: هدنة مرفوضة وحرب مستمرة. ،فشل المبادرات السياسية
تعددت المسارات (جدة، الوساطات الأمريكية والسعودية وغيرها)، لكن النتيجة واحدة: لا اتفاق يُنفَّذ. السبب الجوهري أن كلا الطرفين يرى في التفاوض تنازلاً عن مكاسب عسكرية أو شرعية. الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان يرفض أي حوار قبل انسحاب الدعم السريع من المدن والمؤسسات وتسليم السلاح، ويعلن صراحة استمرار الخيار العسكري حتى استعادة كامل الأراضي. الدعم السريع من جهته يسعى لتثبيت وجوده وفرض معادلة تشاركية أو حكومة موازية في مناطق سيطرته (خاصة دارفور). أي هدنة إنسانية (مثل مقترح 90 يوماً) تتحول سريعاً إلى فرصة لإعادة التموضع لا إلى بداية حل. غياب ضغط دولي حقيقي وموحد يجعل المبادرات مجرد بيانات إعلامية.
إلى أي مدى وصلت الكارثة الإنسانية في السودان؟ وهل أصبح الجوع سلاحًا غير مباشر في الحرب؟
وصلت الأزمة إلى مستويات بالغة الخطورة، وفق بيانات برنامج الأغذية العالمي واليونيسف والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

أزمة الاحتياجات الأساسية
33.7 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية
يحتاج أكثر من نصف سكان السودان إلى المساعدة الإنسانية، وفق تقرير اليونيسف عن النصف الأول من عام 2026. ويعكس ذلك اتساع الفجوة بين احتياجات السكان وقدرة المؤسسات المحلية والدولية على تلبيتها.
الجوع وخطر المجاعة :
19.5 مليون يواجهون انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي
حذرت وكالات أممية من استمرار مستويات خطيرة من انعدام الأمن الغذائي، مع وجود مناطق معرضة لخطر المجاعة وأعداد من السكان يواجهون مستويات كارثية من الجوع.
نزوح يهدد الاستقرار الاجتماعي
نحو 9 ملايين نازح داخليًا وفق تقديرات أممية في 2026.
أدى القتال إلى اقتلاع ملايين الأشخاص من منازلهم، فيما تستقبل دول الجوار، ومنها مصر وتشاد وجنوب السودان، أعدادًا كبيرة من الفارين من الحرب.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات؛ فكل رقم يمثل أسرة فقدت مصدر دخلها، أو طفلًا انقطع عن التعليم، أو مريضًا لا يستطيع الوصول إلى العلاج، أو شخصًا اضطر إلى ترك منزله بحثًا عن الأمان.
أما مسألة استخدام الجوع سلاحًا في الحرب، فيجب التعامل معها بدقة. لا يصح اتهام طرف محدد باستخدام التجويع المتعمد من دون أدلة موثوقة بشأن الوقائع والمسؤولية. لكن منع وصول الغذاء، أو عرقلة الإغاثة، أو استهداف المرافق والبنية التحتية الضرورية لبقاء المدنيين، متى ثبتت هذه الأفعال، يمكن أن يرقى إلى انتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني.
والأخطر أن الجوع لا يقتل فقط؛ بل يضعف قدرة المجتمعات على الصمود، ويدفع الأسر إلى النزوح، ويجعل السكان أكثر عرضة للاستغلال والاتجار بالبشر والتجنيد القسري.
الخلاصة: عندما يصبح الغذاء والدواء والماء النظيف أمورًا يصعب الحصول عليها، تتحول الأزمة الإنسانية إلى تهديد مباشر لبقاء المجتمع، لا مجرد نتيجة جانبية للقتال.

من يتحمل المسؤولية الحقيقية عن تفاقم الأزمة الإنسانية؟ وهل الإنسانية أداة حرب أم ضحية لها؟
الأزمة الإنسانية.. ليست نتيجة للحرب بل أداة فيها
لا يمكن فهم الأزمة الإنسانية في السودان بمعزل عن البُعد السياسي والعسكري. ما يحدث ليس مجرد “تبعات” للحرب، بل استخدام متعمد للتجويع والتهجير كسلاح حرب. التحليل المشترك لبرنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأغذية والزراعة واليونيسيف في مايو 2026 كشف أن 135 ألف شخص يواجهون انعدام الأمن الغذائي الكارثي (المرحلة الخامسة من التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي) في 14 نقطة ساخنة في دارفور وجنوب دارفور وجنوب كردفان، وأن هذه المناطق “معرضة لخطر المجاعة في الأشهر المقبلة”. خمسة ملايين شخص في المرحلة الرابعة (الطارئة) و14 مليوناً آخرين في المرحلة الثالثة (الأزمة)، ومن المتوقع أن تتدهور الأوضاع أكثر خلال موسم الجفاف بين يونيو وسبتمبر.
لكن الأكثر إدانة هو عجز المجتمع الدولي عن الوصول إلى المتضررين. فحتى أبريل 2026، لم يُموّل سوى 20% من خطة الاستجابة الإنسانية للسودان لعام 2026. وبين فبراير ومايو، كان الشركاء الإنسانيون يهدفون إلى الوصول إلى 4.8 مليون شخص شهرياً، لكنهم لم يتمكنوا من الوصول فعلياً إلا إلى 3.13 مليون شخص في فبراير فقط. هذا يعني أن الملايين يُتركون للموت ببطء، ليس فقط بسبب القتال، بل بسبب العقبات البيروقراطية والهجمات على قوافل المساعدات وتدمير الأسواق والبنية التحتية.

القطاع الصحي منهار بشكل شبه كامل. حوالي 40% من المرافق الصحية غير عاملة، و17 مليون شخص يفتقرون إلى مياه الشرب الآمنة، و24 مليون شخص لا يحصلون على خدمات الصرف الصحي الكافية. هذا الوضع يؤدي إلى تفشيات متكررة للكوليرا والحصبة والملاريا وحمى الضنك والتهاب الكبد والدفتيريا، وهي أمراض كان يمكن السيطرة عليها لولا انهيار النظام الصحي. المتحدث باسم اليونيسيف وصف الوضع بلا مواربة: “لا يوجد أطفال على وجه الأرض يواجهون ما يواجهه أطفال السودان الآن… يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان”.

كيف انعكست موازين القوى الميدانية على الأرض، وما دلالتها؟
موازين القوى الميدانية
سيطرت قوات الدعم السريع على معظم ولايات دارفور الخمس (مع استثناءات محدودة)، بينما يسيطر الجيش على غالبية الولايات الأخرى بما فيها العاصمة الخرطوم ومناطق واسعة في الوسط والشرق. الجبهات الأكثر سخونة حالياً هي كردفان (خاصة شمال وغرب) والنيل الأزرق، حيث يحاول الجيش الضغط على خطوط إمداد الدعم السريع، فيما يرد الأخير بهجمات مسيّرة وتقدم من اتجاهات متعددة، بما في ذلك تحركات قرب الحدود الإثيوبية. انشقاقات محدودة داخل الدعم السريع حدثت، لكنها لم تقلب المعادلة بعد. النتيجة الميدانية: حرب استنزاف بلا نصر حاسم، مع اتساع رقعة القتال واستخدام متزايد للطائرات المسيرة التي تضرب مدنيين ومرافق حيوية.

ما هي التداعيات الإنسانية والاقتصادية طويلة الأجل لهذا الانهيار على الأمن القومي السوداني واستقرار دول الجوار؟
الكارثة الوجودية: انهيار الدولة وتبعات النزوح
تجاوزت تداعيات الحرب الحدود الإنسانية المباشرة من جوع ومرض إلى تفكيك البنية التحتية للدولة وتهديد كيانها الوجودي. نزوح ملايين السودانيين داخلياً وخارجياً خلق أزمة لجوء غير مسبوقة تضغط بشدة على البنى التحتية لددول الجوار الإفريقي والعربي. وعلاوة على ذلك، فإن انهيار القطاع الصحي والتعليمي والزراعي ينذر بجيل ضائع ومجاعات كارثية، مما يجعل إعادة إعمار السودان، حتى لو توقفت الحرب غداً، مساراً معقداً يحتاج إلى عقود من الزمن وتكاتف دولي غير مسبوق.

ما هي خريطة السيطرة الجديدة وما الذي تعنيه لتقسيم السودان فعليا؟
خريطة التقسيم الفعلي:
السودان مقسم فعليا اليوم. الدعم السريع يسيطر على الولايات الخمس في دارفور باستثناء أجزاء من الشمال والغرب، بينما يفرض الجيش سيطرته على 13 ولاية أخرى بما فيها العاصمة الخرطوم. هذا التقسيم يخلق دولتين بلا خدمات: في مناطق الجيش، دولة بلا سيولة ورواتب، وفي مناطق الدعم السريع، إقطاعيات بلا معلومات، حيث لا تتوفر حتى أرقام عن حجم الكارثة الصحية والإنسانية. دارفور وكردفان والنيل الأزرق أصبحت هي بؤرة القتل والنزوح الأكبر.

أين دور القوى الإقليمية والدولية… وساطة أم وقود للحرب؟
الوساطة أم الاستثمار في الدم؟
مجلس حقوق الإنسان مدد ولاية بعثة تقصي الحقائق وطالب بوقف الدعم العسكري والمادي لجميع الأطراف، وهذا هو مربط الفرس. الحرب في السودان لم تعد سودانية. هناك دول تمول السلاح، ودول تمول الذهب، ودول تستخدم السودان كورقة في صراع النفوذ في البحر الأحمر والساحل الأفريقي. طالما أن سعر وقف الحرب أعلى من سعر استمرارها بالنسبة للممولين الخارجيين، فلن تتوقف. التمويل الإنساني يتقلص، وتمويل الحرب يتمدد.
هل يتحمل الجيش السوداني وقوات الدعم السريع المسؤولية عن تفاقم المأساة الإنسانية؟
تفرض الحرب على طرفيها مسؤوليات قانونية وأخلاقية لا يمكن تجاوزها بحجة الضرورات العسكرية أو التنافس على السلطة. فالقانون الدولي الإنساني يلزم أطراف النزاع بالتمييز بين المدنيين والمقاتلين، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية السكان، والسماح بمرور المساعدات الإنسانية وتيسيرها وفق القواعد المنظمة لذلك.
وتتطلب محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات توثيق الوقائع بصورة مستقلة، وتحديد المسؤوليات الفردية والقيادية، وعدم الاكتفاء باتهامات سياسية متبادلة.
كما أن المسؤولية لا تتعلق فقط بالهجمات المباشرة؛ إذ يجب التحقيق في التقارير المتعلقة بالعنف الجنسي، والقتل خارج نطاق القانون، والنهب، والاعتقال التعسفي، وتجنيد الأطفال، واستهداف المنشآت المدنية، وحرمان السكان من الإغاثة.
ويجب ألا يتحول خطاب حماية الدولة إلى غطاء لتجاوز القانون، كما لا يجوز تبرير الانتهاكات التي ترتكبها أي قوة مسلحة باعتبارها ردًا على انتهاكات الطرف الآخر.
وفي المقابل، فإن تحميل طرف واحد جميع المسؤوليات قبل فحص الأدلة قد يضعف مصداقية المساءلة ويزيد الاستقطاب. المطلوب هو تحقيق مستقل وشفاف، وإجراءات تحمي الضحايا والشهود، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، بصرف النظر عن موقعه أو انتمائه.
الخلاصة: لا توجد شرعية عسكرية تمنح أي طرف حصانة من المساءلة، ولا يمكن بناء سلام دائم فوق تجاهل حقوق الضحايا.

لماذا أخفق المجتمع الدولي في وقف الحرب؟ وهل أصبحت الأزمة السودانية ملفًا ثانويًا؟
لا يمكن تفسير الإخفاق الدولي بعامل واحد، لكنه يرتبط بضعف الضغط المنسق، وتضارب المصالح الإقليمية والدولية، وصعوبة تنفيذ اتفاقات وقف إطلاق النار، إلى جانب محدودية التمويل الإنساني واستمرار القيود المفروضة على وصول المساعدات.
تعددت المساعي الدبلوماسية، لكن المشكلة تكمن في الفجوة بين الإعلان عن المبادرات والقدرة على فرض الالتزام بها. فالاتفاق الذي لا يتضمن آلية مراقبة واضحة، وضمانات للتنفيذ، وعواقب على المخالفين، قد يتحول إلى استراحة مؤقتة قبل استئناف القتال.
كذلك، فإن تدفق السلاح والتمويل والإمدادات إلى أطراف الحرب، إذا ثبتت مصادره ومساراته، قد يطيل أمد الصراع ويقلل الحوافز التي تدفع المتحاربين إلى التسوية. ولذلك ينبغي أن تشمل الجهود الدولية وقف الانتهاكات ومراقبة تدفقات السلاح ومحاسبة الجهات التي تسهم بصورة غير مشروعة في استمرار القتال.
وفي الجانب الإنساني، أشار تقرير الأمم المتحدة عن السودان لعام 2025 إلى أن خطة الاستجابة الإنسانية لم تحصل إلا على نحو 40% من التمويل المطلوب. ويعكس ذلك فجوة كبيرة بين حجم الاحتياجات والموارد المتاحة.
لكن نقص التمويل ليس المشكلة الوحيدة؛ فحتى الأموال المتاحة لن تحقق أثرها الكامل إذا تعذر إيصال المساعدات بأمان إلى المناطق المحاصرة أو المتضررة.
الخلاصة: المطلوب ليس مزيدًا من البيانات التي تعبر عن القلق، بل ضغط دبلوماسي منسق، وتمويل كافٍ، وضمانات عملية لوصول الإغاثة، وآليات لمحاسبة من يعرقلون التسوية أو يواصلون الانتهاكات.

ما الدور الذي تلعبه التدخلات الخارجية في إطالة الحرب السودانية؟
يمتلك السودان موقعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، إذ يربط بين منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر وعمقه العربي والأفريقي، فضلًا عن موارده الطبيعية وأهميته في أمن الحدود والهجرة والتجارة.
هذه الأهمية تجعل الحرب السودانية أكثر من أزمة داخلية؛ فهي تتقاطع مع مصالح دول تسعى إلى حماية نفوذها الإقليمي، وتأمين طرق التجارة، والتأثير في مستقبل السلطة السودانية.
لكن من الضروري التمييز بين ثلاثة مستويات: التدخلات المثبتة بالأدلة، والاتهامات التي تحتاج إلى تحقيق مستقل، والمصالح السياسية التي لا تعني بالضرورة وجود تدخل عسكري مباشر.
وتكمن الخطورة في أن تتحول الأراضي السودانية إلى ساحة لتصفية الحسابات بين قوى خارجية، بحيث يجد كل طرف محلي دعمًا يمكّنه من مواصلة القتال، بينما تتراجع فرص التسوية الوطنية.
ومن هنا، فإن أي مقاربة جدية للحل يجب أن تتضمن التزامات إقليمية واضحة بعدم تسليح الأطراف المتحاربة بصورة غير مشروعة، ومنع استخدام الأراضي الحدودية لتمرير السلاح، ودعم مسار تفاوضي لا يخضع لإملاءات خارجية.
وفي الوقت نفسه، لا يجوز إعفاء القيادات السودانية من مسؤوليتها عن قرارات الحرب والسلام، أو تصوير السودانيين باعتبارهم مجرد أدوات في صراع دولي؛ فالعوامل الخارجية قد تغذي الأزمة، لكن إنهاءها يتطلب توافقًا سودانيًا على شكل الدولة ومستقبل مؤسساتها.
الخلاصة: لا يمكن بناء السلام في السودان إذا استمرت الأطراف الخارجية في التعامل معه باعتباره ورقة نفوذ، بدلًا من كونه دولة وشعبًا لهما الحق في الأمن والاستقرار.

ما تأثير استمرار الحرب على مصر ودول الجوار والأمن الإقليمي؟
تتجاوز تداعيات الحرب حدود السودان لتطال أمن المنطقة العربية والأفريقية، وفي مقدمتها مصر ودول الجوار المباشر.
بالنسبة إلى مصر، ترتبط الأزمة السودانية بأمن الحدود الجنوبية، واستقرار منطقة وادي النيل، وحركة التجارة، وتدفقات اللاجئين، فضلًا عن الروابط الاجتماعية والتاريخية بين الشعبين.
ومع استمرار الحرب، تتزايد الضغوط على الخدمات الأساسية في المجتمعات المستضيفة للفارين من القتال، كما تتعقد ملفات العودة الطوعية وإعادة الإعمار، وتتأثر شبكات التجارة والإمداد عبر الحدود.
أما على المستوى الإقليمي، فإن استمرار تفكك المؤسسات الأمنية والإدارية يرفع مخاطر انتشار السلاح، ونشاط شبكات التهريب، وتفاقم التوترات المحلية، ويزيد من هشاشة المناطق الحدودية.
ولا تعني هذه المخاطر أن الانهيار الشامل أمر حتمي، لكنها تؤكد أن تأجيل الحل يجعل معالجة التداعيات أكثر تكلفة وتعقيدًا.
ومن ثم، تحتاج دول المنطقة إلى تحرك متوازن يجمع بين حماية الحدود، وتنسيق المساعدات الإنسانية، ودعم الوساطة، والعمل على منع تحويل الأراضي السودانية إلى مصدر دائم لعدم الاستقرار.
الخلاصة: إنقاذ السودان ليس مصلحة سودانية خالصة فحسب؛ بل هو ضرورة إقليمية لحماية الأمن والاقتصاد والاستقرار الاجتماعي في الدول المحيطة به.

هل يمكن وقف الحرب وإعادة بناء الدولة السودانية، أم أن البلاد تتجه نحو التقسيم؟
لا يزال إنهاء الحرب ممكنًا، لكن الوصول إليه يتطلب تجاوز فكرة الحسم العسكري باعتباره الحل الوحيد، والانتقال إلى تسوية تضع حماية المدنيين ووحدة الدولة وإعادة بناء المؤسسات في مقدمة الأولويات.

هناك مخاطر حقيقية من ترسخ الانقسام الجغرافي والإداري، وظهور مراكز سلطة متنافسة، وتنامي الولاءات المسلحة على حساب المؤسسات الوطنية. وكلما طال أمد الحرب، أصبح من الصعب إعادة دمج المناطق المختلفة في نظام سياسي وأمني واحد.

ومع ذلك، فإن استمرار الانقسام لا يعني أن تقسيم السودان أصبح حتميًا؛ فالنتيجة ستعتمد على موازين القوى، ومواقف المجتمعات المحلية، ومدى نجاح الجهود الدبلوماسية، وقدرة السودانيين على صياغة مشروع سياسي جامع.

ويتطلب الحل مسارًا متدرجًا يشمل:
وقفًا مستدامًا لإطلاق النار، مع آليات مراقبة واضحة ومحاسبة على الخروقات.
فتح الممرات الإنسانية وتأمين وصول الغذاء والدواء والمياه إلى المناطق الأكثر تضررًا.
عملية سياسية سودانية شاملة لا تختزل مستقبل البلاد في تفاهمات عسكرية بين القيادات وحدها.
إصلاح القطاع الأمني والعسكري ضمن ترتيبات متفق عليها، تمنع تعدد الجيوش ومراكز القوة المسلحة.
مساءلة مستقلة عن الانتهاكات وضمان حقوق الضحايا، بما يحد من دوافع الانتقام.
برنامج لإعادة الإعمار يشمل الصحة والتعليم والزراعة والكهرباء والخدمات الأساسية، مع دعم عودة النازحين واللاجئين بصورة طوعية وآمنة وكريمة.
التحدي الأكبر هو أن التسوية لا ينبغي أن تكون مجرد توزيع للمناصب بين المتحاربين، بل تأسيسًا لعقد سياسي جديد يمنع إعادة إنتاج الأزمة نفسها.
الخلاصة: وحدة السودان لن يحميها إعلان سياسي وحده، بل دولة قادرة على حماية مواطنيها، ومؤسسات خاضعة للقانون، وتسوية تعالج جذور الصراع بدلًا من تجميدها مؤقتًا.

ما مصير المساعي الأممية والدولية للسلام؟ ولماذا يفشل كل جهد حتى الآن؟
مساعي السلام.. بين فشل الوساطة وتصلب الأطراف
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، لم تتوقف المبادرات الإقليمية والدولية، لكن أياً منها لم ينجح في التوصل إلى اتفاق شامل ومستدام. آخر هذه المساعي تمثلت في لقاء نادر جمع مبعوث الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، مع البرهان في مصر في أكتوبر 2026، على هامش قمة أفريقية. لكن هذا اللقاء جاء بعد أقل من أسبوعين من امتناع واشنطن عن منح البرهان تأشيرة دخول لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة، في خطوة قالت مصادر سودانية إنها مرتبطة بمقترح أمريكي لوقف إطلاق النار ترفضه الخرطوم.
المفارقة أن البيان المشترك الصادر عن الولايات المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي وإيغاد وجامعة الدول العربية والأمم المتحدة في يونيو 2026 أكد أن “لا يوجد حل عسكري لهذه الأزمة”، وأن أي تسوية مستدامة يجب أن تستند إلى “عملية سياسية شاملة تقودها القوى المدنية وتعكس تطلعات الشعب السوداني”. لكن هذا الإجماع الدولي النظري يصطدم بواقع أن الأطراف المتحاربة نفسها لا ترى في الحل السياسي خياراً. البرهان نفسه قال صراحة إن قرار الحرب والسلام لا يخضع لقرارات فردية، بل لمجلس الأمن والدفاع، نافياً أن يكون هو شخصياً قادراً على اتخاذ قرار منفرد. هذا التصريح، رغم شكله المؤسسي، يحمل في طياته رفضاً ضمنياً لأي مقترح خارجي لا يأتي عبر قنوات الجيش ومؤسساته.
على الجانب الآخر، مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة اعتمد قراراً في أكتوبر 2026 يدين استمرار الحرب ويجدد ولاية بعثة تقصي الحقائق لمدة عام، بتأييد 28 دولة ومعارضة 10 وامتناع 9. لكن التصويت كشف انقساماً حاداً: مصر وقطر صوتتا ضد القرار، ومندوب مصر حذر من أن المساواة بين الجيش السوداني وميليشيا الدعم السريع “توجه رسالة سياسية خاطئة”. هذا الانقسام يعكس غياب أي إرادة دولية موحدة قادرة على الضغط الحقيقي على الأطراف المتحاربة، ويجعل أي مسعى سلام مستقبلي رهينة لصراعات المحاور الدولية.
هل هناك مخرج سياسي واقعي، أم أن التقسيم أو الاستنزاف الطويل هو السيناريو الأرجح؟
في ظل المعطيات الميدانية والسياسية حتى أكتوبر 2026، يبدو أن سيناريو الاستنزاف الطويل أو التقسيم الفعلي (De facto partition) هو الأرجح على المدى المنظور، بينما يبقى المخرج السياسي الواقعي موجوداً نظرياً لكنه ضعيف الاحتمال في الوقت الحالي.

لماذا الاستنزاف أو التقسيم هما الأقرب؟
الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان يرفض بشكل صريح أي تفاوض مع قوات الدعم السريع قبل تحقيق انسحاب كامل من المدن والمناطق التي سيطرت عليها منذ مايو 2023، ويعلن باستمرار أن «الخيار العسكري» هو السبيل الوحيد حتى استعادة «كل شبر». هذا الموقف تكرر في خطابات رسمية خلال أكتوبر 2026، ويُترجم ميدانياً بمحاولات الضغط في كردفان والنيل الأزرق.
في المقابل، تتمسك قوات الدعم السريع بمناطق سيطرتها الرئيسية في دارفور، وتسعى لتثبيت وجود موازٍ (محاولات حكومة موازية في نيالا سابقاً)، وترد بالتصعيد في الجبهات الجديدة. كلا الطرفين يتلقى دعماً خارجياً كافياً للاستمرار، لكنه غير كافٍ لحسم عسكري نهائي. النتيجة: حرب استنزاف ممتدة، مع خطوط تماس تتصلب تدريجياً بين شرق ووسط يسيطر عليهما الجيش تقريباً، وغرب (دارفور بشكل أساسي) تحت نفوذ الدعم السريع.
المبادرات الدولية (المقترح الأمريكي بهدنة 90 يوماً، جهود الخماسية، الرباعية) تصطدم بشروط متبادلة متعارضة. الجيش يطالب بانسحاب كامل ومراقب أولاً، بينما تُقرأ بعض الصيغ الدولية على أنها قد تكرّس وجوداً موازياً للدعم السريع، وهو ما يرفضه البرهان بشدة ويعتبره طريقاً نحو تقسيم شبيه بالنموذج الليبي.

هل هناك مخرج سياسي واقعي؟
نعم، لكنه يتطلب شروطاً غير متوفرة حالياً:
ضغط دولي وإقليمي حقيقي وموحد يرفع تكلفة استمرار الحرب على الطرفين ورعاتهما (عقوبات أوسع، وقف تدفق الأسلحة فعلياً، ربط أي دعم اقتصادي أو سياسي بتقدم ملموس).
قبول الطرفين بهدنة إنسانية حقيقية تُنفَّذ تحت رقابة دولية، تليها مفاوضات حول الترتيبات الأمنية (دمج أو تفكيك أو إعادة هيكلة)، ثم عملية سياسية سودانية-سودانية شاملة تقود إلى انتقال مدني.
وجود ضمانات أمنية واقتصادية تجعل التنازل ممكناً دون شعور بالهزيمة المطلقة.
حتى الآن، هذه الشروط غير متحققة. الجهود الدبلوماسية مستمرة (اجتماعات الخماسية، مشاورات حول لجنة تحضيرية للحوار)، لكنها تسير ببطء شديد ولا تترجم إلى وقف إطلاق نار أو تقدم ميداني.
المخرج السياسي ممكن نظرياً إذا تغيرت موازين التكلفة أو حدث تحول داخلي جوهري في حسابات أحد الطرفين أو رعاته. لكن في الواقع الراهن، ومع تمسك الجيش بالحسم العسكري ورفض التفاوض المشروط، واستمرار الدعم الخارجي الذي يغذي القدرة على القتال، فإن الاستنزاف الطويل مع ترسيم تدريجي لخطوط السيطرة (تقسيم فعلي دون إعلان رسمي) هو السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى المتوسط.
هذا السيناريو يعني استمرار المعاناة الإنسانية لسنوات إضافية، وتآكل أكبر لمؤسسات الدولة، وتعميق الانقسامات الجهوية والاجتماعية. السؤال الذي يبقى معلقاً: هل ستصل تكلفة هذا الاستنزاف إلى نقطة تجبر الأطراف على التراجع قبل أن يتحول التقسيم الفعلي إلى واقع دائم؟
السودان اليوم أمام مفترق طرق بالغ الخطورة؛ فإما أن تتحول المأساة إلى نقطة انطلاق لتسوية تعيد بناء الدولة على أسس سياسية وأمنية أكثر استقرارًا، وإما أن يستمر النزيف حتى يصبح التفكك واقعًا يصعب التراجع عنه. وبين هذين الاحتمالين، يواصل المدنيون دفع الثمن الأكبر، من أرواح تُزهق، وأسر تُشرّد، وأطفال يُحرمون من التعليم، ومجتمعات تفقد مقومات الحياة والأمل في المستقبل.
إن أخطر ما في الحرب السودانية ليس فقط استمرار الرصاص، بل اعتياد العالم على مشاهد الجوع والنزوح، وكأن المأساة أصبحت خبرًا متكررًا لا يستدعي تحركًا استثنائيًا. فالإدانات لا تطعم جائعًا، والبيانات الدبلوماسية لا تعيد نازحًا إلى منزله، والوعود لا تعيد بناء مستشفى دمرته الحرب. المطلوب هو إرادة سياسية حقيقية، وضغط فعال على أطراف الصراع، ومحاسبة لا تستثني أحدًا، ومساعدات تصل إلى مستحقيها دون عوائق.
كما أن أي حل يتجاهل إرادة السودانيين، أو يكتفي بتقاسم السلطة بين القوى المسلحة، سيظل معرضًا للانهيار ما لم يضع حدًا لاقتصاد الحرب، ويعيد الاعتبار للمؤسسات المدنية، ويضمن مشاركة القوى السياسية والمجتمعية في تحديد مستقبل البلاد.
فهل يتحرك المجتمع الدولي والإقليمي لإنقاذ السودان قبل أن تتحول الحرب إلى انهيار دائم للدولة، أم سيظل الشعب السوداني يدفع ثمن صراع تتقدم فيه حسابات السلطة والنفوذ على حقه في الحياة والأمن والسلام؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى