
ندى البستاني لـ”أجواء برس”: رائحة “فساد” تهب من وزارة الطاقة
سامر الحلبي
بعد سنوات طويلة تحولت فيها الكهرباء إلى واحدة من أكثر الأزمات التصاقاً بحياة اللبنانيين، ومعضلة لا تكاد تفارق حياتهم اليومية يأتي عهد وزير الطاقة والمياه جو الصدي حاملا عنوانا مختلفا: زيادة الإنتاج، الانتقال تدريجياً إلى الغاز، استجرار الطاقة من الخارج، إشراك القطاع الخاص، وإعادة بناء قطاع الكهرباء على أسس يفترض أن تكون أكثر استدامة.
لكن بين الخطط والواقع تبقى المسافة كبيرة والهوة واسعة، فالمواطن لا يقيس نجاح أي خطة بعدد الاجتماعات أو الاتفاقات، بل بعدد الساعات التي تضيء فيها لمبة منزله من كهرباء الدولة، وبالفاتورة التي يدفعها عند نهاية كل شهر.
وفي وقت تؤكد فيه الوزارة أن المتاح من الإنتاج لا يزال بعيداً عن تلبية الحاجة، وتبحث الحكومة عن تمويل واستثمارات ومعمل جديد في دير عمار، تبقى مؤسسة كهرباء لبنان أمام تحديات الجباية والمستحقات وشراء الوقود، على حين يستمر اللبناني في دفع كلفة مزدوجة بين كهرباء الدولة والمولد الخاص.
النكد السياسي والطاقة
ومتابعة لهذا الملف الشائك والمعقد التقت “أجواء برس” الوزيرة السابقة للطاقة والمياه ندى البستاني التي عرضت من وجهة نظرها حقيقة أزمة الطاقة المستمرة وقالت “في الماضي مررنا بمرحلتين، ففي عهدي عملنا وخططنا وتمت عرقلة كل ما قمنا به واليوم الأسباب تغيرت بوجود “النكد السياسي”، وفي الماضي وجد هذا النكد أيضا من الرئيس سعد الحريري مروراً بالحزب الاشتراكي والقوات اللبنانية، ونحن في لبنان لا نزال منقسمين من 40 سنة حتى اليوم ولا يوجد شخص مناسب يتخذ القرار الصائب لأن خلفه تقف المافيا ومنها مافيا المازوت التي تتحكم بمفاصل الأمور اليوم، وبعد التحسن الذي شهدته التغذية الكهربائية في بعض المراحل، عاد اللبناني إلى تقنين قاسٍ. وما يحصل اليوم من أزمة في الفيول والاخفاق في إدارة القطاع إذ بهم جميعهم يسيطرون على المشهد بالتساوي والذي يدفع الثمن هو المواطن اللبناني”.
وترى البستاني أن هناك هدرا غير مسبوق وغير منطقي ومن أصل 4 مليارات مهدورة هناك ملياري دولار يتم هدرها للمازوت فقط، فهل يعقل هذا الأمر!.
وتسترجع البستاني ما وضعه الوزير جبران باسيل عام 2010 وتقول “كانت خطته ناجحة وبتكلفة صفر على الدولة وملياري دولار تدفع لمرة واحدة، ولكن تمت العرقلة لأنهم لا يريدون تأمين الكهرباء وما يناسبهم أكثر هو استفحال تفشي ظاهرة المولدات ومافيات المازوت، ولا يمكن أن ننسى أن الوزير الحالي من أين أتى.. من بيئة حزبية معروفة (القوات اللبنانية) كان لها نشاط ميليشيوي في مرفأ بيروت أيام التسعينات من القرن الماضي ولها سلطة قوية أيام الحرب الأهلية”.
فشل في إدارة ملف الطاقة
تتابع البستاني عن الفشل الحاصل حاليا بحسب رأيها: “ما يحصل اليوم من قطع الكهرباء عن الناس لمدة 20 ساعة غير منطقي، ولو مشوا بالخطة القديمة لقاموا بتوفير المال على المواطن ولكنهم أرادوا عنوة تسهيل عمل مافيا المولدات التي ارتفعت ارباحها بمبلغ 3 مليارات دولار فهذا أمر مكشوف ويعني أن المعادلة بسيطة وواضحة ولا تحتاج إلى تحليل.. وهناك بالتأكيد فشل واخفاق في إدارة قطاع الطاقة وهذا اختصاصي وانا استشارية في هذا القطاع، ولا يجوز لمعالي الوزير جو صدي أن يتذرع أمامنا بالأسعار والحرب فمعدل سعر برميل النفط حاليا هو في محيط 90 دولار، بينما وصل أيام الوزير باسيل وفي خضم الربيع العربي إلى 110 دولارات سنوياً كمعدل عام وكانت الكهرباء تصل إلى بيوت اللبنانيين ونحن تقدمنا بشكوى أمام الحكومة بسبب “رائحة الفساد” التي تخرج من وزارة الطاقة”.
وتردف البستاني أن الوزارة في عهدها وفي عهدة التيار الوطني الحر كانت تراعي ظروف اللبنانيين وكان معدل التغذية بالتيار ما بين 16 إلى 18 ساعة.
وتسأل البستاني: “أين الحكومة من هذا الملف ومما يجري ونحن أرسلنا مساءلة للحكومة لأن هناك أمورا لا يمكن السكوت عنها وما “بتقطع”، الفشل في إدارة الملف ولا أرى أن هناك علاقة لشركة كهرباء لبنان وليست هي المسؤولة، إن وزارة الطاقة هي التي تتحمل المسؤولية كاملة عن الفشل الذريع، فالوزير السابق وليد فياض سلّم الوزارة وفي صندوقها 700 مليون دولار ومنشأت بقيمة 60 مليون دولار، وقام بتفليسهم الوزير جو صدي ومن المؤكد أن القوات اللبنانية تغطي فشل الوزير صدي وهناك سوء إدارة و”الله يستر من فساد عميق”.
وتضيف ما الجدوى من وجود مدير مكتب معالي الوزير صدي بطرس حدشيتي المعين من القوات وهذا إخبار برسم القضاء لأن غالبية الأمور لا تمر إلا عبر حدشيتي نفسه لذا هناك علامات استفهام تدور حول ما يجري في “مغارة” وزارة الطاقة والمياه”.
خطط بلا تنفيذ
وكانت البستاني قد تولت وزارة الطاقة والمياه من 2019 إلى كانون الثاني 2020، في حكومة سعد الحريري وفي عهد الرئيس ميشال عون وطرحت في آذار 2019 ووضعت خطة محدثة لقطاع الكهرباء، وكان لها ثلاثة محاور رئيسية تقوم على خفض الهدر وتحسين الجباية وزيادة الإنتاج ورفع التعرفة.
أما المشكلة فلم تعد في غياب الأفكار أو نقص الدراسات، بل في المسافة بين ما يُعلن وما يُنفّذ. فكل وزير يأتي بخطة، وكل حكومة تتحدث عن الإصلاح، بينما يدفع المواطن الفاتورة مرتين، وينتظر الدولة التي يفترض أن تكون صاحبة الحل لا جزءاً من المشكلة.
فالكهرباء ليست مجرد ساعات تغذية، إنها اختبار حقيقي لجدية الدولة وهيبتها، وعندما يبقى اللبناني مضطراً إلى احتساب ساعات العتمة، وكلفة المولد، وسعر الاشتراك، في حين تتوالى الخطط على الورق، يصبح السؤال أكبر من اسم الوزير أو عمر الخطة: متى تتحول الكهرباء في لبنان من ملف سياسي إلى حق يومي لا يحتاج المواطن إلى النضال من أجله؟



