
الجمري الذي لا يزال حاضرا -2
بقلم: محمد حسن العرادي- البحرين
تسعة عشر عاماً مرت منذ غيب الموت سماحة الشيخ عبدالأمير الجمري عن الساحة، لكنه لا يزال الحاضر الأكبر، تجده يطل بعمامته ناصعة البياض عند كل مفترق طرق سياسي ومفصلي، يفرض حضوره ومنطقه وأسلوبه وابتسامته الواثقة، عندما كان يتصدى للملفات السياسية الصعبة، عندما قيل له تكلم باسم طائفتك ودافع عن حضورها ونصيبها في مختلف المواقع، أبى الا ان يكون صوتاً يوحد الوطن، حاولوا ثنيه عن الحديث بإسم الجميع بغية تحجيمه ووضعه داخل الاطار الطائفي الضيق، لكنه تمرد وكسر الأسوار وتجاوز الحصار، وتواصل مع الجميع من أجل مصلحة الوطن، لم ينثني ولم يتأخر عن فتح الحوارات مع الجميع فكان شيخ الحوار رائده وقائده بدون منازع، ومن بين القنوات والحوارات التي فتحها بغية توحيد الكلمة ورص الصفوف وتعميق الوحدة الوطنية بين أبناء المجتمع البحريني نتذكر.
1- كان الشيخ الجمري أحد أعمدة العريضة النخبوية التي انطلقت في 15 نوفمبر 1992 مطالبة بإستعادة الحياة النيابية في البحرين بعد انقطاع طويل، ثم كان ركيزة رئيسية وشخصية أساسية في قيادة العريضة الشعبية التي أطلقت في العام 1994، تأكيداً لنفس المطالب الشعبية، داعياً جميع المواطنين للتوقيع عليها ما منحها زخماً كبيراً حتى قُدر الموقعون عليها بعشرات الآلاف، لكنه لم يداخله الغرور ولم يتصرف بأي نوع من التعالي على أعضاء “لجنة العريضة الشعبية” المكونة من شخصيات وطنية تمثل مختلف الوان الطيف المجتمعي والسياسي في البحرين، والتي شاركته في إدارة العريضتين ولم يطالب بإقصاء أي منهم مهم كان حجم تمثيله ضئيلاً.
2- عندما تعرض الشيخ الجمري للاعتقال وزج به في السجن مع ثلة من أصحابه، لم يتزحزح عن المطالب التي نادى بها، وحين فتحت السلطات أبواب الحوار معهم، لم يتردد في التعاطي الايحابي معها، من أجل منح البلاد فرصة وبداية جديدة للبحث عن مخارج وتسويات مناسبة، فكانت “لجنة المبادرة” التي كان زعيمها، لكنه لم يحتكر الأضواء ولم يزاود على الشخصيات التي كانت تشاركه التصدي لقيادة الشارع، بل أتاح لهم قدراً كبيراً من حرية البروز والظهور الإعلامي، فتشكلت وتبلورت على حسابه شخصيات لم يكن لها وزن سياسي وجماهيري مؤثر قبل ذلك.
3- عندما أخفقت الجهات المعنية في تحقيق المطالب المتفق عليها “داخل السجن” إحتضن ما عُرف باعتصام “لجنة المبادرة” داخل مجلسه الخاص في حي الامام زين العابدين بقرية بني جمرة مضحياً بسكينة أهل بيته ومستقبل وأمن أبناءه وأحفاده، ثم وظف شخصيته الاستثنائية وجماهيرته الواسعة لضخ الكثير من الزخم في الحراك الشعبي الذي تحلق في محيط بيته بالقرب من مقبرة بني جمرة الكبيرة، وصارت الجماهير تزحف على موقع الإعتصام من كل حدب وصوب حتى اكتضت الشوارع والساحات وغصت بهم أرض المقبرة أيضاً، ففتح بذلك عصر جديد من السلمية في إدارة الأزمة والمناداة بالحوار، ولم يمارس اي نوع من الاستفزاز أو الدعوة للصدام مع السلطات، بل ساهم في التهدئة وحماية الوطن.
4- وصل الحراك إلى طريق مسدود وأصبحت آفاق الصدام واضحة وبيِنة، عندها قامت السلطات بتسريب الرسالة المرفوعة من داخل السجن للجهات المعنية، والتي تضمنت اعتذاراً مشروطاً ساهم في فتح آفاق الحوار والتسوي فكان الشيخ الجمري امام خيارين، المضي نحو التصعيد الذي قد يقود البلاد إلى ما لا يحمد عقباه، أو كظم الغيض وإنهاء الاعتصام وتنفيس الإحتقان حفاظاً على الوطن، فاختار الحل السلمي ورضي بأن توجه له السهام ورماح النقد والتجريح والإساءة، لكنه حفظ البلاد من الانزلاق نحو أتون الجحيم.
5- خلال فترة الاعتصام الجماهيري التي استمرت على مدى عشرة أيام بلياليها في شهر نوفمبر 1995 حين بدأ البرد يتسلل إلى المعتصمين الذين قدرت اعدادهم حينها بأكثر من 70 ألف شخص، استقبل الشيخ الجمري عشرات الوفود الرسمية والنخبوية والشعبية، التي زادت من جماهيرته والتف الآلاف حول قيادته، وأصبحت البلد تنتظر كلماته وتوجيهاته، لكنه لم يشعر بالغرور ولم يفتتن بنفسه، بل حافظ على رباطة الجأش والاستقرار النفسي، وكانت بوصلته واضحة غير مشوشة أبداً، ركزت على وحدة البلد وسلامتها قبل سلامته الشخصية، ورغم ما ناله من التهديدات والتحذيرات والأذى، فإن الشيخ الجمري لم يفكر في الانتقام أو رفع منسوب التحدي، بل كان راسخ القدم ومتقد الفكر يرسم خطواته بهدوء لايجاد مخارج تحفظ الجميع وتحمي الوطن.
6- تكررت المرات التي اقتيد فيها الشيخ الجمري للسجن، ثم فرضت عليه الاقامة الجبرية وحوصر داخل منزله أكثر من مرة لفترات مختلفة، لكنه لم يكفر بالوطن، ولم يتزعزع ايمانه بأن فرج الله قريب، وبين الاعتقال والسجن والاقامات الجبرية والحصار كان الشيخ الجمري ينتهز أي فرصة للتشاور وفتح آفاق الحوار مع كافة الأطراف والشخصيات، حاور الجهات الرسمية، واستقبل أقطاب وقيادات اليسار، ثم تواصل مع القيادات السنية الاسلامية والوطنية وتبادل الزيارات مع الجميع، وعندما لاحت الفرصة لتنفيس الاحتقان الداخلي وسط المجتمع البحراني، سارع إلى زيارة لاستقبال الراحل سماحة الشيخ سليمان المدني رحمه الله، ثم بادله الزياة في منزله بمدينة جدحفص لينهي بذلك فصلاً مؤلماً من الخلاف داخل البيت الشيعي، داعياً للوحدة وتجاوز خلافات الماضي وتحريض الشارع، تاركاً الباب مفتوح لحق الاختلاف في الرؤى وحق تباين الأراء داخل البيت الواحد، غير عابئ بكثير من التشنيع الذي زاود عليه وعلى مواقفه الوطنية.
نعم كان الشيخ الجمري رحمه الله عنواناً للاصلاح وداعية للحوار بين الجميع ومع الجميع، بعيداً عن الأوزان السياسية والجماهيرية، وبعيداً عن القرب أو البعد من السلطة، فرحم الله شيخ الحوار الراحل الكبير سماحة الشيخ عبدالامير الجمري عضو المجلس الوطني الأول في البحرين 1973، ثم قاضياً في المحاكم الجعفرية طوال عقد من الزمان، وبعد ذلك خطيباً حسينياً وشاعراً متيماً في حب أهل البيت، حتى أصبح زعيماً سياسياً كبيراً لا يضاهيه أحد من السياسيين، زعيم حظي باحترام الجميع ولم يترفع على أي منهم، بل كان قامة بحجم الوطن وقلباً حمل حباً فاض فغمر جميع مدن وقرى واحياء البحرين، رحمه الله رحمة واسعة، وآن لنا جميعا أن نسير على نهجه في الحوار، ونسعى جميعاً لتجاوز عثرات الماضي، والمضي قدماً لبناء مجتمع أكثر تماسكاً وللحديث صلة.



