
الجمري الذي لايزال حاضراً – 1
بقلم: محمد حسن العرادي – البحرين
رحم الله الراحل والمناضل الكبير سماحة الشيخ عبدالأمير منصور الجمري وأسكنه الفسيح من جنته في عليين في مقعد صدقٍ عند مليك مقتدر، وفي ذكرى رحيله 19 نتذكر ونقدر جهوده الكبيرة من أجل التواصل وفتح آفاق الحوار مع جميع الأطراف والمكونات البحرينية، عابراً لحدود الطائفة ومتجاوزاً النظرات الضيقة للانتماء الوطني الذي يُفصِله البعض على مقاساته.
لقد عمل الشيخ الجمري على نسج خيوط المحبة واللقاء مع كافة الفئات وتكريس الشراكة المجتمعية القائمة على قدم المساواة والتواضع، منطلقاً من قاعدة الحوار الذي يؤدي للتفاهم والانسجام، بعيداً عن رغبات السيطرة والتسيد وهواجس الأقلية والأكثرية، متسلحاً بروحٍ مثابرةٍ تمد اليد إلى الجميع، تُبادر وتُلبي الدعوات بدون أي تكلف أو تعالي، وبعيداً عن أية حسابات وحساسيات وخوف من استفادة هذا الطرف أو تباهي وتأويل ذاك الطرف، روح وطنية عابرة للزمن والتشظي غير عابئة بمن يرضى ومن يغضب.
عندما غادر هذا العالم في 18 ديسمبر 2006 بعد صراع طويل مع المرض والمعاناة من تقلب الآراء، وغياب الرؤى والأهداف الواقعية لدى الكثير من الساسة البحرينيين من مختلف الأطياف، كانت آماله بالبحرين التي يحلم بها لا تزال بعيدة المنال، وبرحيله خسرت الساحة البحرينية مدماكاً أساسياً للحوار والتواصل وكسر الجمود السياسي والقدرة على المبادرة والاختراق، واتضح للجميع حجم الفراغ الكبير والواسع الذي خلفه ذلك الرحيل المّر لهذه القامة الشامخة التي لم تحظى بما تستحقه من قراءة وتوثيق في تاريخ البحرين.
لقد حاول البعض مسح ومصادرة الكثير من انجازات الرجل وينسبها لنفسه، مدعياً بأنه كان خلف تلك المبادرات التي أطلقها سماحة الشيخ الجمري رحمه الله في اكثر من ميدان تارة بهدف التسوية السلمية وأخرى رغبة في حقن الدماء وتخفيف الخسائر، لكن الحقيقة وإن غابت لابد أن تسطع يوما وتعشي أبصار المدعين والمرائين والطارئين الذين حاولوا اخفائها لسبب أو لآخر منطلقين من حسابات ضيقة بحجم أفقهم المغلق وطموحهم المريض.
ورغم أن كثيراً من محاولات طمس مبادرات الشيخ الجمري كانت تجري أمام ناظريه ومن محيطه القريب، إلا أنه كان يترفع عن مواجهتها ويتحاشى الصدام معها، رغم قدرته على إبعادها وربما حرقها جماهيرياً وسياسياً بمجرد تصريح واحد، لكنه آثر الترفع وأبدى الكثير من حسن النوايا وأعطى المزيد من الفرص للمراجعة، لأنه كان يعرف مكانته بين الناس ويثق في حدسه وفراسته التي لم تخذله يوماً.
لقد بقي الشيخ الجمري رحمه الله ثابت الخطى على نهج الحوار، رافضاً للاستئثار والانفراد بالقيادة، وفرض الرأي على الآخرين رغم أن الجماهير كانت قد رفعته إلى منزلة المقدس، حتى قيل “لا عيد والجمري بعيد” عندما كان يقبع في السجن بسبب نضالاته من أجل نيل الحقوق والعدالة والمساواة وحرية الوطن، وحين قال له أحد كبار المسئولين يمكنك أن تتكلم بإسم طائفتك، أجاب، أنا أتكلم باسم الشعب كل الشعب، وأطالب باصلاح الأوضاع لصالح أبناء المجتمع كافة لا فرق عندي بين شيعي وسني وكلهم أبناء البحرين وابنائي.
هكذا بقي الشيخ الجليل أبا جميل الواثق في نفسه وفياً لشعبه، ولم يشعر بالزهو والكبر ولم يزغ قلبه عن الطريق القويم عندما لاحت له العديد من الفرص، بل غض البصر عنها جميعاً وأصر على حمل الأمانة وتأدية الواجب بإخلاص، وكم باتت الساحة بعده تغص بالكتبة والمتملقين والباحثين عن الفرص، لكنه رغم كل هذا الغياب لايزال الحاضر الأكبر الذي رأى المستقبل بعيون الأمل، ورحل قبل أن تتحقق رؤياه البصيرة، فله الرحمة والمجد رغم سنوات الغياب، والله من وراء القصد وللحديث صلة



