الشيخ الجمري… لا يزال حاضرا – 7

بقلم: محمد حسن العرادي- البحرين

أكثر من عام ونصف العام قضاها سماحة الشيخ الجمري تحت الإقامة الجبرية منذ أفرج عنه في 8 يوليو 1999 وحتى رفع الحصار وإنهاء الاقامة الجبرية في النصف الثاني من فبراير 2000، ترك الباب موارباً في الأسابيع الأولى من الحصار، ما سمح لبعض المهتمين بزيارة سماحة الشيخ الجمري للاطمئنان على صحته، لكن الحصار إشتد، ومُنع المواطنين من زيارة الشيخ في مقر اقامته الجبرية لاحقاً، وقد ترك ذلك مرارة نفسية مؤذية لدى الشيخ وعائلته، لكنهم تحملوا وصبروا على الحصار والأذى.

قدر لي أن أكون أحد الزوار الذين حصلوا على فرصة زيارة مجلس سماحة الشيخ خلال الفترة الأولى من الحصار، حيث كانت القبضة الأمنية أقل شدة وحدة، تسمح بعبور بعض الزوار من خارج الدائرة الضيقة، وفي أحد الأيام فوجئت بإستدعاء غير معتاد من مركز شرطة البديع، عندما حضرت تلبية للاستدعاء، كان التحقيق يدور حول أسباب زياراتي المتكررة لمنزل الشيخ الجمري، وكان جوابي بأنني معتاد على زيارة صديقي صادق الجمري، وقد جرى الإتصال بالأخ صادق لتأكيد حجتي في الزيارة، وبعدها حفظ التحقيق ولم استدع ثانية.

كان مستغرباً أن بعض الناشطين لم يبذلوا جهداً لكسر الحصار المفروض على سماحة الشيخ الجمري رحمه الله، ويبدو أن ذلك الموقف لم يكن مرتبطاً بالحصار المفروض عليه والإجراءات الأمنية المشددة حول منزله، بل كان مرتبطاً بحسابات وأجندات مغرضة اتخذ منها البعض فرصة للظهور، وملئ ماكانوا يعتقدون بأنه فراغ في رأس القيادة، وقد فسر هؤلاء مشهد ظهور سماحة الشيخ على شاشة التلفزيون وهو يسلم على جلالة الملك المعظم والقيادة السياسية للبلاد، تفسيراً سيئاً يُحاكم النوايا ولا يهتم بمعرفة الظروف والملابسات والتفاصيل التي أنتجت ذلك الموقف.

وبعد كل هذه السنوات مما حدث أستطيع القول بكثير من الثقة بأن اللقاء التلفزيوني الذي حضره سماحة الشيخ الجمري مع جلالة الملك المعظم والقيادة السياسية، ورغم كل ما أثير حوله من تساؤلات، يمكن إعتباره نقطة تحول في مسار الأحداث الأمنية خلال حقبة التسعينات، وأزعم أنها كانت لحظة نُضج سياسي الدى سماحة الشيخ، استَقْرأتْ موازين القوى ومقدار التغيير الذي كان ينتظر البلاد مع مجيء عهد جديد دشنه تولي جلالة الملك المعظم مقاليد الحكم في 6 مارس 1999، وقاد ذلك التحول إلى إطلاق المشروع الإصلاحي الكبير الذي أعاد الكثير من الحريات وبيضّ السجون وسمح بعودة المبعدين والمغتربين من المنافي إلى حضن الوطن، وهو تحول نحن أحوج ما نكون إليه في الوقت الحاضر لنتمكن من اجتياز تداعيات أزمة 2011.

لقد عانى سماحة الشيخ الجمري رحمه الله أثناء فترة حصاره الطويله من تجني بعض المغرضين وإساءاتهم غير المبررة، ما عرضه لظلم شديد من قبل بعض الأشخاص ذوي الأجندات الشخصية، الذين حاولوا استبعاده من المشهد حتى يخلو لهم الجو، وهنا ينطبق عليهم قول الشاعر البحريني طرفة بن العبد (وَظُلمُ ذَوي القُربى أَشَدُّ مَضاضَةً .. عَلى المَرءِ مِن وَقعِ الحُسامِ المُهَنَّد)، وأستطيع القول بكثير من الثقة بأن بعض المأزومين لم يكتفوا بالابتعاد والتفرق من حول الشيخ، بل ساهموا في توجيه الطعنات والسهام له، والعمل على التقليل من شأنه، لكنهم فشلوا بسبب محبة المواطنين والتفافهم حول سماحة الشيخ وإيمانهم بصدقه ونزاهته.

وبعد سنوات من العزلة الاجبارية عاد سماحة الشيخ المجاهد عبد الأمير الجمري رحمه الله بجهوده وحنكته وقراءته للساحة يدير الحدث السياسي ويتصدى للزعامة وقيادة الشارع، ولم يقف كثيراً لمحاسبة الطارئين والمنتفعين والمتسلقين الذين سعوا لعزله والقفز على تضحياته، فكانت قراراته أكثر إنسانية وأكثر وعياً واستقلالية، يرسمها ويقررها مع عدد قليل ممن وثق فيهم وإتخذ منهم مستشارون صادقون وخاصة من أبناءه وأهل بيته، بعيداً عن تأثير أولئك الذين انسحبوا في لحظات العسرة والشدة، ثم عادوا للظهور عندما أمسك سماحته بزمام الأمور من جديد، فلم يعاتبهم ولم يوبخهم ولم يطلب منهم الاعتذار، لأنه صاحب نفس أبية وعزيزة، والغريب في الأمر أن من تركوه وحيداً و أساؤا الأدب والأخلاق معه لم يعتذروا ولم يبدوا الندم على سقوطهم المدوي.

في اللحظة المناسبة سنتعرض لبعض مبادرات سماحة الشيخ المجاهد عبدالأمير الجمري التي أعادت الأمل وفتحت أبواب التسويات السياسية في البلد، مبادرات تم تجاهلها وإهمالها كثيراً، ونالها من التغييب والتجاهل الكثير، حتى يتم طمس إنجازات هذا الشيخ الجليل الذي ما فكر في نفسه أو عياله في يوم من الأيام، بل كان يضع المصلحة العامة في مقدمة الأولويات وعلى رأس المصالح دائما، مبادران كانت مفاجئة للجميع، لكنها ساهمت في فتح الأبواب الموصدة، وللحديث صلة.

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى