توترات إماراتية- إسرائيلية: فضيحة الزيارة السرية تكشف هشاشة “التطبيع الاستراتيجي”
من "الاختراق التاريخي" إلى الإنكار الرسمي.. كيف تحولت زيارة نتنياهو إلى أزمة دبلوماسية تعكس حدود التحالف ضد إيران
كتب أحمد سمير
روَّج سابقاً أن أكثر ثمار “اتفاقات أبراهام” صلابةً– التحالف الإماراتي- الإسرائيلي– لكن يظهر اليوم تصدّعاتٍ غير متوقعة.
انفجر، في قلب الشرق الأوسط الذي يعيد تشكيل تحالفاته بعد حرب إيران، خلاف علني بين حليفين استراتيجيين: الإمارات وإسرائيل. بعد إعلان مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن زيارة سرية للإمارات خلال عملية “زئير الأسد” ضد إيران، في 13 مايو/ أيار 2026 في مدينة العين، وصفها بـ”الاختراق التاريخي” في العلاقات، شملت لقاءً مع الشيخ محمد بن زايد، لم تمر ساعات حتى نفت أبوظبي الزيارة جملة وتفصيلاً، مؤكدة أن علاقاتها معلنة ضمن اتفاقيات في إطار الاتفاق الإبراهيمي المعروف والمعلن، ولا تقوم على السرية أو الترتيبات الخفية”.
هذا التباين ليس مجرد خلاف إعلامي، بل يعكس توتراً عميقاً يجسد التناقض الأساسي في “التطبيع” الخليجي- الإسرائيلي: تعاون أمني وعسكري متزايد في الظل، مقابل حساسية سياسية وشعبية تجبر الإمارات على الحفاظ على صورة “التوازن” الإقليمي. التسريب الإسرائيلي (الذي يُرجح أنه مدفوع بحسابات انتخابية داخلية) أحرج أبوظبي، مما دفعها إلى احتجاج دبلوماسي شديد اللهجة، وفق تقارير إعلامية إسرائيلية.

التسريب لم يكن مجرد سوء تنسيق إعلامي.، أكدت تقارير عبرية وصفت ما جرى بأنه تسبب في “توترات حادة” لأن أبوظبي طلبت صراحة إبقاء الاجتماع سرياً، لكن مكتب نتنياهو قرر الإعلان من تلقاء نفسه.
ويرى محللون أمريكيون اعتبروا الخطوة “خطأ دبلوماسيا يحرج الإمارات” ويهدد التحالف المدعوم من واشنطن لمواجهة إيران في لحظة حرجة.
المشهد إذن أكبر من خبر زيارة: هو اصطدام بين حسابات انتخابية إسرائيلية، وحساسية أمنية إماراتية أمام إيران، ودور أمريكي كضامن للاتفاقات الإبراهيمية.
كما أن الإمارات، التي حاولت تقديم نفسها كقوة إقليمية قادرة على الجمع بين المصالح الاقتصادية والانفتاح السياسي، تجد نفسها اليوم أمام معادلة معقدة: كيف تحافظ على علاقاتها الاستراتيجية مع إسرائيل والولايات المتحدة دون أن تتحمل كلفة سياسية وشعبية وإقليمية متزايدة؟
التسريب بحد ذاته رسالة سياسية خطيرة
اللافت في القضية ليس فقط حدوث زيارة سرية، بل تسريبها إلى الإعلام. ففي العرف الدبلوماسي، التسريبات المتعلقة باللقاءات السرية غالباً ما تُستخدم كسلاح ضغط أو كرسالة عدم رضا.
هذا يعني أن هناك طرفاً أراد كشف الزيارة لإحراج الطرف الآخر، أو لإيصال رسالة بأن الثقة السياسية بين أبوظبي وتل أبيب لم تعد مستقرة كما كانت.

الإمارات تخشى الارتباط الكامل بسياسات نتنياهو
منذ اندلاع موجات التصعيد الأخيرة في المنطقة، تحاول أبوظبي الحفاظ على مسافة سياسية محسوبة عن حكومة نتنياهو، خصوصاً مع تصاعد الانتقادات الدولية والإقليمية تجاه إسرائيل.
الإمارات تدرك أن استمرار الظهور كحليف وثيق لتل أبيب في هذه المرحلة قد يضر بصورتها العربية، ويؤثر على شبكة علاقاتها الإقليمية، خاصة مع الدول التي تشهد توتراً شعبياً تجاه إسرائيل.
دخول واشنطن وسيطاً لاحتواء الخلاف
إبلاغ الإمارات للولايات المتحدة بغضبها الشديد يحمل دلالة مهمة: أبوظبي لا تريد صداماً مباشراً مع إسرائيل، لكنها تريد من واشنطن ممارسة ضغط على حكومة نتنياهو.
وهذا يعكس أن الإدارة الأميركية لا تزال تمثل الضامن الأساسي للعلاقات الإقليمية الجديدة التي نشأت بعد اتفاقات التطبيع، وأن أي اهتزاز في هذه العلاقات ينعكس مباشرة على النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط.
نتنياهو يبحث عن اختراق سياسي خارجي
في المقابل، يحتاج نتنياهو إلى إظهار أن إسرائيل لم تُعزل إقليمياً رغم الأزمات والحروب،ولذلك فإن أي زيارة أو لقاء مع قادة عرب يمنحه ورقة سياسية داخلية وخارجية.
لكن المشكلة أن هذا النوع من التحركات قد يتحول إلى عبء على الحلفاء العرب إذا تم استغلاله إعلامياً بصورة استفزازية أو دون تنسيق دقيق
التحالفات الجديدة في الشرق الأوسط أصبحت أكثر هشاشة
الأزمة الحالية تكشف أن التحالفات القائمة على المصالح الأمنية والاقتصادية فقط قد تتعرض للاهتزاز عندما تدخل ملفات الهوية والصراعات الكبرى على الخط.
فالعلاقات الإماراتية الإسرائيلية بُنيت على رؤية استراتيجية تتعلق بالاقتصاد والتكنولوجيا ومواجهة النفوذ الإيراني، لكنها اليوم تصطدم بتداعيات الحروب الإقليمية والضغط الشعبي والإعلامي.
هل وصلت العلاقات الإماراتية- الإسرائيلية إلى مرحلة أزمة حقيقية؟
ليس بالمعنى الكامل، لكن هناك أزمة ثقة واضحة، فالعلاقات الاستراتيجية بين الجانبين لم تنهَر، غير أن مستوى التنسيق السياسي يبدو أقل تماسكاً من السابق.
الخلاف الحالي يعكس محاولة إماراتية لإعادة ضبط العلاقة، وليس إنهاءها، خاصة أن أبوظبي لا تزال ترى في التعاون الأمني والتكنولوجي مع إسرائيل جزءاً من حساباتها الاستراتيجية طويلة المدى.
هل تؤثر الحرب والتوترات الإقليمية على مستقبل التطبيع؟
بالفعل وبشكل واضح، فكلما تصاعدت الحروب أو ارتفعت الخسائر الإنسانية في المنطقة، ازدادت الضغوط على الدول العربية التي طبّعت علاقاتها مع إسرائيل.
وهذا لا يعني بالضرورة انهيار التطبيع، لكنه قد يؤدي إلى تباطؤه، أو تحويله إلى علاقات أمنية واقتصادية هادئة بعيداً عن الاستعراض السياسي والإعلامي.
ما الذي تخشاه إسرائيل من هذا التوتر؟
إسرائيل تخشى فقدان الزخم الإقليمي الذي تحقق بعد اتفاقات التطبيع، لأن أي تراجع في العلاقات مع دولة بحجم الإمارات قد يبعث برسائل سلبية لبقية الدول التي تفكر في توسيع التعاون مع تل أبيب.
كما أن نتنياهو يدرك أن صورة “الاندماج الإقليمي” تمثل جزءاً مهماً من شرعيته السياسية الخارجية.
هل يمكن أن يتحول الخلاف إلى قطيعة؟
الاحتمال ضعيف حالياً، لأن المصالح المشتركة بين الطرفين كبيرة ومتداخلة، خاصة في مجالات الاقتصاد والاستثمار والأمن والتكنولوجيا.
لكن استمرار التوترات الإقليمية، أو حدوث خطوات إسرائيلية تعتبرها أبوظبي محرجة أو مهددة لاستقرار المنطقة، قد يدفع العلاقة إلى مرحلة أكثر برودة وحذراً.
لماذا اختارت الإمارات التعبير عن غضبها عبر واشنطن، وليس مباشرةً لإسرائيل، رغم وجود قنوات اتصال مباشرة؟
هذا الخيار يكشف ثلاث طبقات:
– الرسالة لإسرائيل: أبوظبي تعتبر أن ما فعله نتنياهو (ربما شن عملية أو تنسيقاً أمنياً دون إذن مسبق أو تنسيق كامل) تجاوز للخط الأحمر، والاحتجاج عبر “الراعي الأميركي” يعني تصعيد اللعبة وليس مجرد تذمر.
– الرسالة لواشنطن: الإمارات تقول: “نحن نتحمل أعباء سياسية وشعبية كبيرة من أجل التطبيع، ولا يمكن قبول أن تعرضنا إسرائيل لمخاطر (تصعيد إقليمي) أو إحراج (فضح الزيارة)”.
– الرسالة الإقليمية: عبر إشراك أميركا، تؤكد الإمارات أنها لا تزال “حليفاً كبيراً” لواشنطن، وأن علاقتها بإسرائيل يجب أن تمر عبر منظومة التفاهمات الأميركية– وليست شراكة ثنائية مطلقة.
ما الذي يمكن أن تكون قد كشفته “الزيارة السرية” نتنياهو ليثير هذا الغضب الإماراتي الحاد؟
أربعة سيناريوات محتملة، ليسوا حصريين:
· سيناريو أمني- استخباراتي: قيام نتنياهو بمناقشة أو تنفيذ تحرك ضد إيران (استهداف منشآت أو اغتيالات) من أجواء أو أراضٍ قريبة من الإمارات دون علمها المسبق، مما يضعها في مرمى انتقام إيراني.
· سيناريو سياسي: محاولة نتنياهو جرّ الإمارات لإعلان موقف عدائي علني ضد إيران أو ضد فصائل إقليمية، بما يضر بصفتها الوسيط الاقتصادي والإنساني (مثل دورها في السودان أو مسار أمن البحر الأحمر).
· سيناريو تسريبي متعمد: احتمال أن يكون نتنياهو نفسه من سرب خبر الزيارة – أو أفراد من فريقه – لتحقيق مكاسب انتخابية داخلية (إظهار قوة اختراقه للعالم العربي)، وهو ما تعتبره الإمارات “استغلالاً سياسياً” للعلاقة.
· سيناريو اقتصادي- مشروع عملاق: خلاف حول مشروع استثماري حساس (مثل الطاقة أو الذكاء الاصطناعي أو بيع أسلحة) تريده إسرائيل بشروط تعتبرها الإمارات “دون المستوى السيادي”.
هل هذا التوتر مؤشر على بداية تفكك “اتفاقات أبراهام”، أم أنه مجرد “خلاف عابر” بين حليفين؟
لا يمكن وصفه بالتفكك، لكنه “اختبار إجهاد حقيقي” للاتفاقات. النموذج الإماراتي للتطبيع كان دائمًا يعتمد على معادلة دقيقة: مكاسب اقتصادية وتكنولوجية + أمن ضد إيران + لا استفزازات تذكر للشارع العربي أو إيران،ما يحدث اليوم هو أن إسرائيل تحت نتنياهو (بتحالفه مع اليمين المتطرف) تدفع بأجندة أكثر عدوانية وحسمًا تجاه إيران والضفة الغربية، وهذا يصطدم بالنهج الإماراتي الأكثر “حسابًا وبراغماتية”، إذن: العلاقة لن تنهار، لكن أبوظبي ترسل رسالة واضحة – “لن نكون مجرد أداة في أجنداتكم الداخلية أو حروبكم الاستباقية”.
لماذا نفت الإمارات الزيارة بهذه القوة رغم التقارب الأمني الواضح؟
الحفاظ على “التوازن الاستراتيجي” والمصداقية الإقليمية، الإمارات تعززت علاقاتها بإسرائيل بعد الحرب مع إيران (بما في ذلك نشر أنظمة دفاع جوي)، لكنها ترفض أن تُوصف كـ”حليف علني” لنتنياهو، الذي يُنظر إليه في المنطقة كعامل زعزعة استقرار، الإنكار يحمي صورتها كدولة “براغماتية” لا تتورط في “ترتيبات خفية”، ويقلل من مخاطر التصعيد مع طهران أو الرأي العام العربي.
ما دلالات هذا التوتر على مستقبل اتفاقيات إبراهيم والتحالف ضد إيران؟
يبرز الحدود الواضحة للتحالف. التعاون الأمني والاستخباراتي مستمر ويتعمق (خاصة في مواجهة التهديد الإيراني)، لكنه يبقى “وظيفياً” وليس “استراتيجياً كاملاً”،الإمارات تريد فوائد التطبيع (تكنولوجيا، أمن، اقتصاد) من دون دفع الثمن السياسي الكامل، هذا الخلاف يكشف هشاشة العلاقة: إسرائيل تحتاج إلى “صور نصر” علنية، بينما تفضل أبوظبي “النتائج دون الضجيج”.
ما دور الولايات المتحدة في تهدئة هذا الخلاف؟
أبوظبي أبلغت واشنطن بغضبها الشديد، مما يعكس اعتمادها على الوساطة الأميركية. واشنطن، كراعية لاتفاقيات إبراهيم، ستسعى لاحتواء الأزمة لأنها ترى في الإمارات- إسرائيل ركيزة لمواجهة إيران. لكن التوتر يذكر بأن الحلفاء الإقليميين لديهم أجندات مستقلة، وقد يؤثر على تنسيق أوسع في المنطقة.
لماذا أعلن نتنياهو عن زيارة طُلب منه إبقاؤها سرية؟
الدافع الداخلي أولاً: تقرير القناة 12 الإسرائيلية نقل عن مصدرين أن الإعلان جاء لقطع الطريق على زيارة مرتقبة لمنافسه نفتالي بينيت إلى أبوظبي في اليوم التالي، إذ “لم يكن نتنياهو مستعداً لموقف تُعلَن فيه زيارة بينيت بينما تبقى زيارته سرية”.
التوظيف الانتخابي: التقرير ذاته وصف القرار بأنه “سياسي بحت، وليس دبلوماسيا”، يهدف للترويج لنتنياهو عشية انتخابات إسرائيلية مرتقبة محلل معهد الشرق الأوسط” ناتان ساكس” قال صراحة: “إما أن نتنياهو لم يفكر، أو كان يفكر في شيء آخر — السياسة الداخلية”.
ما الذي أغضب أبوظبي تحديداً؟
كسر الثقة: الإمارات نقلت رسالة احتجاج شديدة عبر سفيرها في تل أبيب مباشرة إلى مقر الأمن القومي في مكتب رئيس الوزراء، ووصفت المصادر الإماراتية بأنها “غاضبة للغاية من التسريب”.
الخوف من الاصطفاف العلني ضد إيران: بعد هجمات إيرانية استهدفت الفجيرة ومنشآت طاقة في الإمارات مطلع مايو، تخشى أبوظبي أن يُفهم أي لقاء سري مع نتنياهو كشراكة عسكرية مباشرة. التقرير العبري أشار إلى أن النفي الإماراتي جاء “خشية الارتباط بالمحور المناهض لإيران في ظل تصاعد التوترات الأمنية”.
سابقة متكررة: القناة العبرية i24 نقلت أن “هذه ليست المرة الأولى التي يصدر فيها تسريب كهذا من مكتب رئيس الوزراء، وهذا بالتحديد هو السبب الذي أدى إلى استبعاد نتنياهو وحرمانه من زيارة هناك لسنوات.
هل نحن أمام شرخ استراتيجي أم أزمة عابرة؟
المؤشرات على أزمة عابرة: الطرفان يحتاجان بعضهما،الإمارات تريد مظلة دفاعية إسرائيلية-أمريكية ضد الصواريخ الإيرانية، وإسرائيل تحتاج موطئ قدم خليجي لوجستي واستخباراتي.
المؤشرات على شرخ أعمق: تكرار التسريبات الإسرائيلية، وحساسية الإمارات المتزايدة من الظهور كطرف مقاتل، وتزامن الأزمة مع هجمات على الفجيرة، كلها تدفع أبوظبي لإعادة ضبط قواعد الاشتباك الدبلوماسي. كما قال ساكس: “أتصور أن الإسرائيليين يعملون لوقت إضافي لإصلاح العلاقات، لكن من السابق لأوانه معرفة النتيجة”.
ما هي تداعيات هذه التوترات على القضية الفلسطينية؟
تزايد التوترات قد يؤثر سلبًا على موقف الإمارات من الملف الفلسطيني، مما يجعلها تفكر في استراتيجيات جديدة لتحقيق المصالح الوطنية.
وفى نهاية المطاف، ما حدث بين أبوظبي وتل أبيب ليس مجرد “سوء تفاهم دبلوماسي”، بل هو لحظة “تصحيح مسار” في علاقة التطبيع ذاتها. الإمارات، التي راهنت على أن اتفاقيات أبراهام ستمنحها نفوذاً على السلوك الإسرائيلي لا العكس، تكتشف الآن أن نتنياهو قد يستخدم هذه العلاقة كورقة لتحقيق أهدافه من دون مواءمتها مع مصالحها السيادية.
اختيار واشنطن كقناة للاحتجاج يعني أن أبوظبي أعادت تأطير الخلاف: من ثنائي إماراتي- إسرائيلي إلى “مثلث أميركي”، حيث لا شيء يحدث خارج غرفة العمليات الأميركية. رسالة الإمارات واضحة: “إما شراكة متوازنة، وإلا فإن أدواتنا الدبلوماسية والاقتصادية أكبر مما تتصورون”. وفي ظل سباق الذكاء الاصطناعي، والطاقة، والصراع مع إيران، تبقى إسرائيل بحاجة لأبوظبي أكثر من حاجة أبوظبي لأي تصريح نتنياهو انتخابي. هذا التوتر، إذا أحسن استثماره، قد ينتج علاقة أكثر نضجاً على أسس واضحة – لكنه قد يتحول أيضاً إلى شرخ حقيقي إن استمرت إسرائيل في التعامل مع حليفها الإماراتي كـ”فندق خمس نجوم للعمليات السرية”. الخيار الآن بيد نتنياهو.



