
راغدة، الملاك الذي غادرنا من دون استئذان
بقلم: وسام الأسعد.
لم تكن راغدة أنطون سعاده مجرد اسمٍ عابر في سجل الحياة، بل كانت روحاً مثقلة بالوجع، تمشي بصمتٍ يشبه صلاة طويلة لا يسمعها أحد. رحلت كما عاشت في سنواتها الأخيرة بهدوء، من دون ضجيج، ومن دون أن تطلب من العالم شيئاً سوى أن يخفف عنها قليلاً من القسوة.
عانت من مرضٍ قاسٍ، انسداد الرئة، ذلك العدو الخفي الذي لا يكتفي بسرقة الأنفاس، بل يسرق معها القدرة على الفرح، على الكلام، على المشاركة، وعلى الشعور بأن الحياة ما زالت تستحق العناء. كانت كل شهيق معركة، وكل زفير تذكيراً بأن الجسد قد يخذل صاحبه في أكثر اللحظات حاجةً للقوة. ومع ذلك، حملت أوجاعها بكرامة نادرة، ولم تجعل من ألمها وسيلة للشكوى أو الإستجداء.
لكن المرض لم يكن وحده ما أثقل كاهلها. فالأقسى من وجع الجسد كان وجع الخذلان. خذلان الحزب الذي أسّسه والدها، والذي كان يفترض أن يكون إمتداداً لروحه، ومساحة أمان معنويّ لها. غير أنّ الواقع جاء مختلفاً، بارداً، قاسياً، تاركاً راغدة وحيدة في مواجهة المرض والعزلة. هذا الخذلان لم يكن سياسياً فحسب، بل إنسانياً قبل كل شيء، وقد ترك ندوبه العميقة في قلبها وحياتها.
انعكس ذلك كله على حياتها الإجتماعية، فانكفأت بهدوء، وابتعدت عن الأضواء، وعن المناسبات، وعن الناس. لم تكن انعزالية بطبعها، بل متعبة. كانت تبحث عن سلامٍ داخلي لم يمنحه لها الخارج. اختارت الصمت لأن الكلام صار عبئاً، واختارت الوحدة لأن الرفقة لم تعد تشبه الأمان. وهكذا، عاشت على ضفاف الحياة الإجتماعية، تراقب من بعيد، بقلبٍ مثقل بالحنين وخيبة الأمل.
راغدة لم تطلب يوماً إمتيازاً، ولم تتكئ على اسم والدها لتصنع لنفسها مجداً زائفاً. كانت تريد فقط إعترافاً إنسانياً، دفئاً بسيطاً، وشعوراً بأنها لم تُنس. لكن يبدو أن بعض الأرواح خُلقت لتدفع ثمن نقائها مضاعفاً.
رحلت راغدة، الملاك الذي غادرنا من دون استئذان، تاركة خلفها سؤالاً موجعاً، كم من الأرواح تموت ببطء قبل أن تموت فعلياً، لأن المرض والخذلان إجتمعا عليها؟ لروحها السلام، ولوجعها الرحمة، ولذكراها وعد بأن تروى قصتها لا كحكاية حزن فقط، بل كشهادة على إنسانيةٍ لم تُنصف.



