
نهاية عهد جنرال شجاع 4/ 5
بين جنرال القصر ورئيس التيار الحر الصهر... من أدى لخسارة التيار واضعافه؟ لماذا ومن أجل من؟
ميخائيل عوض
تمكين الصهر وتوريثه وتفويضه بقيادة التيار بأوامر وتغطية الجنرال نفسه يستدرج السؤال، هل كان استجابة لشروط المنظومة لقبول وصوله للقصر مقيداً ومسيراً؟ أم هي من طبيعة البشر ونقطة الضعف بالبنات؟ ولماذا لا تكون خياراً صائباً كالمواقف المشهودة للجنرال؟ وهذه أيضاً أسئلة تجيب عليها الأيام والواقعات المعاشة.
ففي واقع الحال وما آل إليه التيار وزعامة الجنرال بعد توريث التيار للصهر وفي ناتج تجربة القصر، وفي سياقات تركيز الهجوم على الوزير باسيل وقد استهدف في حملات إعلامية مركزة ومكلفه وهتفت تظاهرات ضده، وشاعت أغنيات هابطة للنيل منه، واتخذت الإدارة الأميركية عقوبات بحقه، وتستكمل الحملة عليه بالتداول بالواقعات والمعطيات التالية:
- لا فرق أكان الجنرال انقلب على شعارته الاصلاحية والتغيرية واللاطائفية أو مذهبية، ورفضه للبيوتات والعائلات السياسية والتوريث لقرار عنده أو استجابة لضغوط المنظومة والتكيف مع انماطها وقيمها بالتحول إلى تأسيس بيت وزعامة تقليدية توارثيه عائلية، وتقديم نفسه مسيحياً ومارونياً يقاتل لاستعادة الصلاحيات والامتيازات ويعطل التعينات، وعمل المؤسسات على مبدا المحاصصة، واحتكار الحصص للعائلة والمقربين والخاصة باسم الطائفة وحرمان نخبها وممثلي عائلاتها وكتلها الاجتماعية من حقها بالوظائف لكفاءاتها وتحصيلها وتمثيلها، حتى راجت النكتة: أن التيار نجح بفرض المناصفة في الوظائف بين المسلمين وآل عون، وعزز الحملات على الجنرال والوزير باسيل نشر القوات اللبنانية لتفاهم معراب الذي نصت وثيقته الموقعة على المناصفة في اقتطاع الحصة المسيحية في الدولة بينهما كحزب وتيار على حساب الذين يستحقون من المسيحيين من غير المنتسبين لأحداهما، فتفاهم معراب يعامل المسيحين ونخبهم كمجرد رعايا في مزرعة وعبيد لتأمين السيدان وعوائلهم وخاصتهم، فأين منه شعارات العدالة وصحة التمثيل والمباراة وحقوق الكفاءات، والرجل المناسب في المكان المناسب ومحاربة الفساد والاصلاح والتغيير.
- نجح الوزير باسيل بتفويض ورعاية كاملة من الجنرال في إعادة هيكلة التيار وتحويله من تيار مناضل كفاحي برجالات وكوادر صنعتهم التجربة واكتسبوا الخبرة والمكانة إلى تيار الزعيم والتابعين له والقابلين بما يقول، والالتزام بتنفيذ الأوامر والدفاع عن التيار ورئيسه وسياساته، ولتحقيق ذلك طرد باسيل المعارضين والكوادر من اصحاب الحضور والنفوذ والمكانة، واعاد صياغة التيار ليصير حزب الزعيم، وبذلك خسر الجنرال والتيار الجزء الأكثر كفاحية والتزام واخلاص لقضية وعناوين وشعارات الجنرال في قيادة الجيش والحكومة العسكرية وفي المنفى، فأضعف التيار نفسه وانحسرت قاعدته الاجتماعية وخاض انتخابات 2018 بتحالفات انتهازية ومصلحية ومع رجال اعمال ومتمولين لتحقيق مكاسب ومصالح مالية واقتصادية سرعان ما انجلت عن خسائر فادحة عندما انفض الشركاء وانقلبوا على باسيل عند اول منعطف ويزيد معارضي باسيل في التيار والمطرودين من جنته أن ذلك زاد نوعياً في انحسار التيار وخسارته لمصداقيته وقواعده ونفوذه.
- نجح جبران باسيل في قيادته للتيار وفي مسيرته السياسية وفي حروبه مع طواحين الهواء وصفقاته، في الانقلاب على انجازات الجنرال التاريخية والتي رشحته لما صار عليه وامنته في تحقيق مبتغاه في الوصول إلى كرسي بعبدا، خاصة تفاهمه مع حزب الله وموقفه في حرب تموز واعادة المارونية إلى بيتها السوري، فقد افتعل جبران ازمات مع حركة أمل وتطاول على بري شخصيا وحشر حزب الله واستدرج احتكاكات شعبية مع انصار امل وشن حملاته على حزب الله مباشرة ومداورة ما اسهم في تأليب رأي عام مسيحي ضد المقاومة وتحميلها مسؤوليات ما آلت إليه الأوضاع والازمات وصب المياه في طاحونة القوات والمعادين للحزب والتيار، ونجح في استفزاز جنبلاط ووفر اسباب لخطر فتنه في قبر شمون، واعطى الدكتور جعجع والقوات اللبنانية صك براءة “أوعى خيك” ووقع معها تفاهم تقاسم الحصص المسيحية بالتساوي بينهما، وكسر حالة العداء بين العونية وجمهورها العريض والقوات اللبنانية، وخاصم بل سعى بكل جهده لإضعاف حلفاء سورية، كالقومين والبعثين ومجموعات 8 آذار، وشن الحرب على المردة والوزير فرنجية ولم يوفر قائد الجيش، وكل من قد يعترض طريقه إلى قصر بعبدا، وشن الهجمات العنصرية على السوريين والفلسطينيين واللاجئين وتقصد استعداء سورية بنصبه لوحة جلاء السورين على صخرة نهر الكلب، وتعامل مع الانفتاح السوري على الجنرال عون باستعلائية تضمر عدائية مستحكمه، وسبق له أن طرد وشرد كوادر وعناصر ومناصري التيار الذين أبدوا تعاطفاً مع سورية وحلفائها ومع المقاومة وخياراتها، ويستعرض المشككون بولاء الوزير باسيل للعونية وللجنرال بهذه الجردة ليوجهوا الاتهام له بانه استجاب لشروط المنظومة لإفراغ العونية من انجازاتها وخاصياتها والنيل من الجنرال الشجاع وتحولاته النوعية بينما تفيدنا التجارب التاريخية أن اجراءات وممارسات باسيل تعيد تكرار الكثير من التجارب فالتيار في الجيش والحكومة العسكرية والحرب يختلف عن تيار النضالات السلمية والتظاهرات واللوبيات ويختلف عنهما كشريك باحث عن حصة في بيدر الدولة والمنظومة وتعينات وصفقات السلطة، الا أن الزمن قد فاته فعندما قبلته المنظومة كانت قد شفطت غلة البيادر وافقرت الدولة والشعب ولم يعد من منافع كثيرة في المحاصات… ولكل حقبة تيار ورجال واليات استقطاب ومؤسسات وبيئات، فأي مقارنة بين حالة واخرى يجب أن تأخذ بعين الاعتبار المهام والوظائف والدور، فحراك الشارع يعوم المناضلين اما الدولة والبرلمان والوزارات والمديريات والمحاصصات فتحتاج لأصناف آخرى من المحازبين وبمواصفات مختلفة. فما فعله باسيل منطقي اضافة إلى انه قد يكون لشدة تأثره بالجنرال وتجربته قرر بدوره الصعود على اجنحة المعارك والحروب فقد فعها الجنرال عون ووصل إلى مبتغاه قصر بعبدا ظافرا منتصرا. والمنطقي أن التقليد ليس كالأصيل وان ما يصح في زمن لا يصح في آخر، وفهم الأزمنة واختلافها مسالة ليست بيسيرة على من لم تعركه الحياة وتقدم لقيادة التيار على اجنحة الوريث.
- في التعينات والحصص والوزارات التي حصلها بإسناد من حزب الله والثنائي الشيعي لم يقدم التيار بديلا نموذجيا ولا حقق ظواهر اصلاحية أو شفافة ونظيفة وابتلي بتهمة الفساد والافساد والاستزلام، والحشو، وتورط بالصفقات وشبهاتها، ولم تسجل للتيار خروقات يشهد لها فيها، وفي الصفقات مع الرئيس الحريري وسمير جعجع وبري والمحاصات لم تختلف تجربة حواصل التيار عن سوابقها من التيارات والجماعات التي انتسبت إلى المنظومة بعد تطويعها، والواقعات ترجح بالوجه الشرعي أن المنظومة طوعته واخضعته لمنطقها ودجنته وصار منها بل اضعف فرقائها في الدولة والمؤسسات وغالبية من اختارهم في المناصب والتعيينات اما صاروا عبئا عليه أو تمردوا لصالح المنظومة واحكامها وضوابطها، بينما رد الوزير باسيل والتيار حاضر؛ باننا حاولنا ومنعنا قدمنا الخطط والمشاريع والقوانين ولم يؤخذ بها وان ميزان القوى في الدولة ليس لصالح التيار ومشروعه الاصلاحي وبحسب خطابات الوزير باسيل الاخيرة أن حزب الله لم يناصره ولم يلتزم بنود تفاهم مار مخايل وفضل الوحدة الشيعية وحماية الرئيس بري على محاربة الفساد وبناء الدولة بتطهيرها وبالتعاون مع التيار لإنجاز وتحقيق خططه ومشاريعه.
في خلاصة تجربة الجنرال والتيار في الطريق إلى القصر وفيه، لم يسجل للجنرال وللرئيس الشجاع انجازات نوعية تذكر ولا تحقق للبنان فرصة جادة للإصلاح والتغير، وتشكيل نموذج مختلف وقاطر، وثبت أن المنظومة اقوى واقدر وتستطيع طحن وعجن الجديد واعادة صياغته على منوالها لتقبل به وبعد اختبارات عملية له فليس من السهل خديعتها بل المؤكد انها حرباء قادرة على خديعة الاخرين والايقاع بهم ونموذجي عون وحزب الله ماثلة امام الجميع وواقع معاش.
أما بعد، فقد اصبح يسير علينا فهم الجاري، ومسارات الاحداث وتجليات الازمة الطاحنة وغير المسبوقة التي بلغها لبنان، وبات سهلا تفسير وفهم حملات التشهير الاعلامية والحرب الجارية بين التيار ورئيسه وامل ورئيس المجلس النيابي بري، ويصبح مفهوما دوافع الوزير باسيل في تحميل تفاهم مار مخايل وحزب الله مسؤولية ما ال اليه التيار من ازمات وانحسار قاعدته الاجتماعية، وتبرير الاخفاقات والخسائر جراء ارتجال الصفقات وحروب طواحين الهواء، والاشتباك مع الجميع وعلى كل الجبهات والساحات، والتعبير الصارخ واعلاء الصوت وسوق الاتهامات للجميع في محاولة لاستدراج تفاهمات جديدة لتحميل اعباء خسائر التيار للأخرين، والتملص من الاعتراف بالعجز والاخطاء، وليس مستغربا أن يصبح تفسير ظاهرة الوزير باسيل وحروبه وكيل الاتهام له بانه تنكب مهمة الانقلاب وتصفية انجازات عون الشاهدة على جراته وامتلاكه صفات القائد التاريخي.
ويصبح السؤال محقاً وملحاً، هل ما زال من وقت وفرص أمام الجنرال لاجتراح معجزات وايامه في القصر تنحسر؟ أم فات الزمن وانتفت الفرص على تجربة فيها من الفرادة الكثير والدروس الثمينة التي تؤكد حقائق أزمنه وتواريخ وانماط حياة لتحقيق غايات، فيسجل للجنرال عون أنه حقق مبتغاه وجلس في كرسي الرئيس في قصر بعبدا بفعل تصميمه وعناده وجراته، وقد غدرت به وبطموحاته التوازنات وافتقاد الصلاحيات وتزاحم التطورات والتغيرات البنيوية في موازين القوى المحلية والاقليمية والدولية، ووفرت شروط انفجار أزمة لبنان البنيوية والكيانية التي تتجلى بأزمة وظائف كيان وإفلاس نظام وأزمة حكم وأزمة كارثية انهياريه اجتماعية واقتصادية ومالية جعلت من عهد عون طريق لبنان إلى جهنم الفوضى والتوحش والجوع على ما هو حار حتى اللحظة…
… يتبع
غداً، ما زال لدى الجنرال ما يفعله وقد يفاجئ كعادته.



