هل يمكن تفكيك منظومة التطبيع؟ -7

بقلم محمد حسن العرادي – البحرين

مخطئ من بعتقد بأن الحروب الأهلية التي اندلعت خلال القرن الحادي والعشرين في أغلب الدول العربية، هي حروب طبيعية ناتجة عن تنافس على الحكم أو صراعات تطورت على مر السنين بحكم الخلافات والتنازعات بين القوى والتيارات السياسية، خاصة إذا لاحظنا أن أغلب هذه الحروب جاءت بعد ما عرف بثورات الربيع العربي البائسة التي خططت لها ودبرتها وغذتها وكالات ومؤسسات الاستخبارات الأميركية والأوروبية من أجل إستكمال مخططاتها للهيمنة وتدجين بقية الدول العربية.

لقد كان الهدف ولا يزال تدمير الدول العربية القوية بدءاً من العراق مروراً بسوريا وصولاً إلى مصر قلب العروبة النابض، ومن ثم الاستفراد واحدة في إثر أخرى ببقية الدول العربية، وكانت البداية من العراق التي نالت القسط الأوفر من التدمير والإستنزاف البشري والمالي على مدى عقود من الزمن، حتى تمت السيطرة عليها وإشغالها بالحروب الداخلية والفتن الطائفية والعرقية، ثم تم التفرغ لسوريا التي تعرضت إلى حرب كونية إستمرت أكثر من 12 عاماً حتى الآن بمشاركة المال العربي.

وكان الهدف ولا يزال هو إخراج هذه الدول من ميدان الصراع العربي الصهيوني، حتى تقوى شوكة الصهاينة ويصبح التطبيع معهم أمراً مسلماً به، خاصة وأن بعض هذه الدول شكل السند الحامي لظهر المقاومة الفلسطينية طيلة السنوات، بل والعقود الماضية، وهكذا كان الاستهداف أكبر وأشد لسوريا والعراق، بهدف تصفية والحساب واستكمال مخطط تدمير الدول العربية القوية، تمهيداً لفتح الطريق لصفقات القرن عبر نشر وتثبيت أكذوبة الديانة الإبراهيمية المصطنعة، من أجل شرعنة غرس الكيان الصهيوني في قلب الأمة العربية.

لكن سوريا الصامدة، شكلت حجر عثرة في طريق المخطط الخبيث، الذي تكسر على أيادي الجيش العربي السوري البطل، فاختلت موازين القوى من جديد، وتعثر المشروع الصهيوني خاصة عندما هُزمت المنظمات الإرهابية المكونة من داعش وأخواتها، الذين إنكشف ارتباطها بالمشروع الصهيوني والحاضنة الأميركية المتآمرة التي كانت تمدهم بالدعم اللوجستي من خلال قواعدها المنتشرة فوق الأراضي السورية، وتساعدهم في سرقة وبيع النفط السوري عبر الحدود التركية المفتوحة للإرهابيين.

وعلى نفس المنوال تعرضت ليبيا إلى التدمير ومشاريع التفتيت من أجل نزع كل أسباب القوة والصمود التي يمكن أن تشكل سنداً وعوناً للثورة الفلسطينية، ثم جاء الدور على اليمن التي شكلت في وقت من الأوقات الملاذ الآمن للثورة الفلسطينية، حين أخرجت عنوة من لبنان إثر الغزو الصهيوني عام 1982، وهكذا رأينا المنظمات الإرهابية (داعش وأخواتها) تتمدد وتتنقل من بلد إلى بلد بدعم واضح من أميركا، ناشرة القتل والذبح والدمار والفوضى الذي إستهدف تفكيك الدول العربية وإحالتها إلى دول فاشلة مشغولة بمشكلاتها الداخلية أولاً وأخيراً.

أما مصر العظيمة فقد أُغرقت بالديون وكُبلت بالمشكلات الاقتصادية فضلاً عن الإرهاب الذي استهدفها بشكل ممنهج، بعد أن كبلتها إتفاقيات كامب ديفيد وعملت على إخراجها من دائرة الصراع مبكراً بعد حرب 6 أكتوبر 1973 المجيدة.

وهكذا اكتملت حلقات ودوائر الشر حول فلسطين من أجل تشكيل طوق نجاة وبقاء يحمي الكيان الصهيوني ويطيل عمره أكثر، بل ويسمح له بالتمدد في طول البلاد العربية وعرضها عبر إتفاقيات
التطبيع.

لقد أوشكت الخطة الأميركية- الصهيونية الشريرة على النجاح وتحقيق الأهداف، ودخلت سبع دول عربية إلى حضيرة التطبيع عبر طرق مختلفة، كان أهمها بيع الوهم بالرخاء الاقتصادي والسياج الأمني الذي يستطيع الكيان الصهيوني توفيره لهذه الدول التي تعرضت لخديعة كبرى، وقد آن أوان الاستفاقة منها والتخلص من تبعات الإتفاقيات التي كبلتها، وأثرت على قدرتها في الحركة والتنمية والبناء والاستقلال والسيادة، خاصة بعد أن فشلت هذه الخطة في خلق أعداء جدد للأمة العربية عبر تسويق الحروب والفتن الإقليمية.

وكأن القدر يفرض مشيئته لإنقاذ الدول العربية من الوقوع في براثن الشر الأميركي- الصهيوني المطلق الذي أُعدت له الكثير من الخطط الشيطانية على مدى أكثر من سبعة عقود، تم فيها احتلال كامل الأراضي الفلسطينية وبعض الأراضي العربية في لبنان وسوريا، ثم تمكين الصهاينة من التسلل إلى العمق العربي عبر إختراق النظم الإقتصادية والصناعية والسياسية ومن خلال تسويق الوهم بالتفوق التقني والعسكري والأمني للكيان الصهيوني، فإذا بطوفان الأقصى يطيح بالأحلام الصهيونية وينهي الخديعة إلى الأبد، فيعود الأمل قوياً بامكانية تفكيك منظومة التطبيع وتخليص الدول العربية من هذا الدنس وللحديث صلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى