الصين في الخليج: لبنان في حاضنة الشرق، من يسبق إلى قصر بعبدا

ميخائيل عوض

يجري التعامل مع زيارة الرئيس الصيني للسعودية على أنها حدث مفصلي، سيترتب عليه ويكون له تداعيات نوعية.

وفي الأبحاث الجارية والتقديرات نتائج كثيرة على قدر من الأهمية والتأثير وتطرح أسئلة جوهرية منها:

1- هل تكون الحدث الذي يجزم بتغير السعودية والخليج الأشرعة وتوجيهها إلى الشرق، وإن كانت الزيارة والقمم الحدث النوعي، فماذا عن أميركا وردود فعلها؟ وهل فقدت أدواتها في تطويع السعودية وابقائها تحت الآمرة والتبعية؟ وماذا عسا الصين أن تقدم للسعودية لتأمينها وحفظ استقرارها إذا ما قررت أميركا العبث بها وإخراجها من سوق النفط الذي أشعل حرب الوجود، وتقرير اتجاهات المستقبل في أوكرانيا والحالة، إما تكون روسيا وتنهض أوراسيا والقارات المغلوبة على أمرها، وتسهم بولادة العالم الجديد بسمات آسيوية وشرقية، أو تكون أميركا ويستمر عالمها الأنكلو- ساكسوني فلا مكان في الواقع ومجرياته للتسويات والصفقات.

أزمة العالم الأنكلو- ساكسوني الذي انتهى به المطاف إلى الليبرالية المتوحشة واستراتيجية المليار الذهبي، بما تقتضيه من تدمير وابادة شعوب اسيا والعرب وأفريقيا وتحويل أوروبا إلى جمهوريات موز، وخصي الأمم والشعوب الولادة، والشابة النابضة حيوية ومقاومة سعيا إلى تحصيل مكانة تحت الشمس وقبل، فلا استمرارية ولا بقاء للعالم القديم ما لم يهزم النويات المتشكلة والقوى الحاملة للبديل.

2- هل فات الصين ووفدها أن استمالة السعودية والخليج ودغدغة ملوكها وأمرائها بتبني مواقفهم من أزمة الخليج ومن إيران قد يفقدهم حلف مؤسس ووازن في المشروع الأوراسي إيران؟ أم أن الصين قررت أنها إذا خيرت بين إيران المترددة، والتي لم تحسم أمرها شرقا أو غربا، وما زالت على شعارها لا شرقية ولا غربية، والخليج فقد حسمت الأمر لصالح الخليج والعرب عبر البوابة السعودية؟

3- الحدث في الخليج ومع الصين القوة العالمية الاقتصادية والساعية إلى العالمية العسكرية، والمستندة إلى تحالف استراتيجي مع روسيا المقاتلة لإلحاق الهزيمة بالعالم القديم ودفنه، وللعرب ثروات وجغرافيا حاكمة منذ بدء التاريخ لم تفقد قيمتها ودورها الحاسم في تقرير مصائر المستقبل وفي صعود وهبوط الإمبراطوريات والقوى العالمية والإقليمية، وفي العرب وجغرافيتهم تتحكم الشام برا وساحلا، وقد شهدت واقعات الأزمنة الغابرة أن لا قوة صعدت ولا واحدة انحسرت إلا بعد أن اختبرت في ساحل الشام وبره، وفي الزوايا الثلاث للمثلث الذهبي لصناعة مستقبل الإنسانية: بيروت- القدس- بغداد، وفيها الثلاث جرت وتجري كبرى حروب المقاومة للهيمنة الأميركية الانكلو- ساكسونية عندما استسلم العالم وسلم مقوده لأميركا العدوانية والمتعجرفة، ووريث الأنلكو- ساكسون بجوهرها العدواني وقيمها بالفرض والاستعمار والإبادة وتصفية كل ما هو قيم خير وعقائد واديان كان الشرق وآسيا قد اختص بإنتاجها وتعميمها.

وفي السياق والشام ساحلا وبرا تضطرب وتعيش أعنف الأزمات وتقارب حالتها الكارثة، على رغم أن جغرافيتها عادت لتكون بيضة القبان وساحة الفصل بمن ولمن تكون الغلبة العالمية؟ وكيف ومتى تنجز الولادة المستعصية للجديد العالمي.

لبنان يعود منصة التوازنات الاستراتيجية ومحط الاهتمام وقلب الجيوبولتيك للمتوسط، فإن انحاز لأميركا ومشروعها تم احتواء سورية، وتأمنت السيطرة لأميركا وحلفائها في العراق، وتجري عملية تمكين إسرائيل وإنهاء القضية الفلسطينية بالتطبيع أو بالحرب لإزالة آخر العقبات دمشق، فيقطع طريق الحرير ويتفكك حزامه، وتصبح روسيا في المتوسط معزولة ووجودها العسكري رهينة تبتز بها في أوكرانيا والقوقاز وآسيا وبحر الصين والآخريات.

تحليلنا هذا محوره انعكاس قمة الصين- العرب على استحقاقات لبنان وأولها رئاسة الجمهورية، فلمن تفتح أبواب بعبدا؟

الأمير محمد بن سلمان بعد طول قطيعة مع لبنان، وتحرش وضغوط بلغت حد الاعتداء بإجبار الطبقة إقالت وزير لتصريح أدلى به قبل توزيره، وادت الى شطب السنية السياسية وتهميشها بفرض الانكفاء على سعد الحريري، وبعد ان بذل السفير السعودي جهدا لتجميع النواب والفاعليات السنية وتذكير ذوي الشأن بدور السعودية في اتفاق الطائف، والحفاوة بالوزير فرنجية المرشح لرئاسة الجمهورية وصاحب الحظ الوافر برغم عنتريات الوزير باسيل وتصعيده غير المحسوب واضطراره للاستعانة بعمه الجنرال عون لإصلاح الاضرار مرة عند البطريرك وثانية في طلب لقاء مع السيد حسن نصرالله مشفوعا باعتذار باسيل من السيد على الهواء مباشرة، وبرغم ان قائد الجيش المرشح الابرز والاوفر حظا من باسيل ومرشحه التوافقي المستتر، بدأ او حفز للبدء بحملته الانتخابية من قطر حيث داوم باسيل على زيارتها واستعطافها وطلب تدخلها، وبواقعات ان قائد الجيش والمؤسسة العسكرية محل اجماع وثقة اللبنانيين والبقية الباقية من لبنان القديم الممدد على فراش الموت تحت التنفس الاصطناعي، الا ان استقبال الامير محمد بن سلمان لميقاتي. كبارقة امل، تؤشر الى ان قمم الصين في السعودية بدأت تحرك ملفات هامة، ومن غير المستبعد ان تكون السعودية بدأت بتحمية محركاتها وعادت تضع لبنان على جدول الاهتمامات.

في اول الخطوات واهم الاهتمامات الرئاسة وبإزاء الرئاسة والرئيس المرتقب يمكن الاستنتاج ان لقاء بن سلمان ميقاتي يزيد من رصيد فرنجية لا قائد الجيش ولا باسيل ومرشحه وكلاهما يلوذ بقطر المنافس المناكف  للدور السعودي ند محمد بن سلمان شخصيا، وميقاتي يجاهر بتبنيه ترشيح فرنجية مضافا ان فيصل كرامي عاد نائبا بقرار المجلس الدستوري وبدأ يسعى لتشكيل كتلة من النواب قد تصبح وازنه وناطقة باسم السنة مادام ميقاتي لا يرغب، وكلاهما ميقاتي وكرامي يميلان لفرنجية لا لقائد الجيش ولا لجبران باسيل، وقائد الجيش لأسباب في المنظومة وعلاقتها بالإدارة الأمريكية ولوزن شيا ومونتها في الطبقة والسلطة، صنف كمرشح لامريكا، والسعودية تقترب من اسيا والصين وتتجه شرقا تكريسا للابتعاد عن امريكا.

المنطقي في التوازنات القائمة ان يكون القصر لمن يلبي تحولات تتفق مع التوجهات الجديدة للسعودية ويتساوق مع تبدلاتها وتغيرها للأشرعة.

واذا اشغلت  السعودية محركاتها في لبنان فمن ستختار..؟؟ المنطقي من يصالحها مع سورية؟؟ ومن يؤهل لبنان لتغير اشرعته باتجاه الشرق؟

من يحاصر النفوذ الامريكي ويقلصه؟ بل من يعيد لبنان الى ملعب وساحة لسعودية بن سلمان ويحول دون تحوله الى منصة لاحتضان معارضيه السعوديين والمتآمرين عليه كما تخيل سعد الحريري” وبالتفاهم مع الثنائي الشيعي” ودفع ثمن اوهامه موته السياسي وانهاء الحريرية السياسية…

والحال؛ اذا كانت المصلحة السعودية وترجمة توجهاتها الجديدة لا ترجح ان تتبنى قائد الجيش ولا مرشح باسيل المكتوم حتى لو كان باسيل نفسه الموهوم بان ابواب بعبدا ستفتح له في اذار المقبل رهانا على ماكرون وقطر ووعده لشيا بالانقلاب على حزب الله وانهاء تفاهم مار مخايل، والتصالح مع القوات الا ان جهوده ورهاناته لم تفلح ولا افلح توسيطه للبطريرك، وسرعان ما ادرك غلطته القاتلة فعاد يعتذر ويوسط عمه للتصالح مع السيد نصرالله وحزب الله الذي جاهر بتسمية فرنجية كمرشح وحيد له على لسان السيد نصرالله عندما حدد صفات الرئيس بدقة لا تتجسد الا بفرنجية. فماذا عسا الجنرال عون ان ينجزه اذا التقى السيد نصرالله الا طلب ضمانات لجبران ومستقبله السياسي بمقابل التزام كتلته بالتصويت لفرنجية واقله تامين النصاب وترك الحرية للنواب…

والحال بالحال تذكر؛ فماذا عن القوات اللبنانية وكتلتها وقيل؛ انه لولا الاموال السعودية وتبنيها ودور سفيرها في لبنان لما كانت القوات قد حققت ما بلغته؟؟ فهل تتمرد على الطلب السعودي؟؟

اذا طابق هذا التحليل الواقع وتعرف الى سيناريوهات المستقبل القريب للبنان واستحقاقاته، وهو تحليل منطقي يسبر ظواهر الحال ومندرجاته، ففرنجية رئيسا للجمهورية قبل اذار، والا فالفوضى وبعدها اعادة هيكلة لبنان النظام والعقد الوطني والدور والوظيفة ومن غير المنطقي بدلالة الاحداث ونتائج التطورات ومنها القمم الصينية في السعودية ان تستمر حال الهيمنة الامريكية على السلطة والمنظومة لا لقوة ولحضور وتحالفات وازنه انما بفعل ترهيب اركان المنظومة بالعقوبات ومصادرة الاموال والاملاك المنهوبة من اللبنانيين والمودعة في مصارف الغرب، والترهيب وحده لا يفسر الامور انما تفاعله معه عدم رغبة حزب الله تصفية النفوذ الامريكي في الدولة وقد جاهر بهذا قادة الحزب علنا…!

ويستحق السؤال؛ اذا كانت معطيات الواقع اللبناني وتحولات السعودية والخليج وحرب انهاء هيمنة امريكا وعالمها الانكلو ساكسوني ملتهبة وقد بلغت حرارتها الشرق العربي والمتوسط فماذا تستطيع امريكا وحلفها للحؤول دون الفوضى او فرنجية رئيسا والتوجه شرقا… امر يحتاج الى علاج واجوبة واقعية ايضا.

واللبنانيون ومنظومتهم وزعمائهم وبطريركهم يخالفون القول المأثور؛ عند صراع الامم خبي راسك، وهكذا يسوقون لبنان بعنترياتهم وطروحاتهم غير الواقعية كالتدويل والحياد وبامتناع بعضهم عن تلبية دعوات الحوار يضعون رأس لبنان تحت مقصلة التطورات والاحداث الجارية التي لا ترحم ولا تستجيب لحاجات واوهام المرتبكين والخائفين.

القمم واللقاءات في السعودية بمناسبة زيارة الرئيس الصيني في سياق المتغيرات والاحداث النوعية الجارية عالميا واقليميا بما في ذلك تبني البيان الختامي موقف السعودية من ازمات الخليج والعلاقة مع ايران تصب المياه في طاحونة فرنجية ولا تسقط احتمال الفوضى والاضطرابات .

سيكون لنا وقفه وتحليل؛ لمستقبل العلاقات الصينية الايرانية، وبحث فيما الذي تمتلكه امريكا لإخضاع بن سلمان واعادة السعودية للحضيرة الامريكية.

اما عن قدرات ماكرون لفرض رئيسا في لبنان فابسط وصف وقول؛ دع الموتى يدف٠نون امواتهم…

 

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى